صديق بمليون صديق

كان هناك رجل ثري جداً، أعطاه الله من المال و الثراء ما يحسده عليه الكثيرون…، و لم يرزقه سوى ولداً واحداً كان يحبه كثيراً، و كان يشفق عليه كونه وحيداً… و كان هذا الولد قد اتخذ من الأصدقاء ثلةٌ، جلهم من الطامعين بأمواله… فقد كان ينفق و يغدق عليهم بسخاء مبين.

كان ذلك يؤلم الوالد كثيرًا،و كان دائما ما ينصحه و ينبهه:

– يا بني، لم هذا العدد المهول من الرفاق و الأصدقاء!؟ لم لا تتخذ صديقاً او اثنين، يكونا من الصالحين… فلست أرى بين أصدقائك سوى فاسدٍ، مفسدٍ، طامعٍ أو مستفيد، و، و الله لو رمتك الحاجة على أحدهم، ليرمينك رمية نعال قديم لم يعد بحاجته…

لكن الشاب لم يكن عنده أي استعداد لكي يستمع إلى نصائح والده، بل كان دائماً يشيح بوجهه عنه، و كان دائماً يقول لوالده:

– زماننا غير زمانكم، هذا زمن الأصدقاء… و إني لأعجب لك، إذ كيف يعقل ان تكون بهذا العمر و هذا الثراء، و يكون لك كل هذا الصيت و لا تملك من الدنيا سوى صديقاً واحداً؟!!! منذ وعيت على الدنيا لا أراى لك صديقاً غير عمي بلال، ألا تضجر منه؟

و كان الوالد دائما يرد عليه: عمك بلال بمليون صديق، و هو يغنيني حتى عن الأخ الذي حُرمتُ منه مثلك…

في يوم من الأيام، اتصل الوالد بولده هاتفياً، و كان يبدو هلعاً، و طلب منه الحضور على وجه السرعة، لأن هناك أمر مهول قد حصل… لم يتأخر الإبن في استجابة نداء أبيه الذي وجده في المجلس و رأسه بين يديه، و لاحظ وجود شيء على الأرض مغطى بملائة يعلوها الدم كما يعلو جزءًا كبيراً من الأرضية و كذلك يدا أبيه و الغالب من ثيابه.
اصفر وجهه و سأل أباه و هو يرتعد:

– ما هذا؟… ما الذي حصل؟
رد عليه الاب بنبرة يعلوها الحزن و الأسى و الندم:

– ” إنه بائع متجول، دخل البيت في غفلة من الحراس، ظننته لصّا فأطلقت النار عليه كما ترى، و الآن يجب أن تساعدني في إخفاء هذه الجريمة، قبل أن يفتضح أمري و يُزجّ بي في السجن.

كان ارتباكه واضحاً، فهو لم يمر بموقف مثل هذا في حياته حتى يعرف كيف يتصرف، خصوصا و أن الموضوع يتعلق بأبيه،… إذا لم يحسن التصرف، فسوف يحرم منه ربما لبقية عمره.
فكر و فكر… و أخيراً قرر أن يتصل بأقرب و أعز أصدقائه.
صارحه بما حصل لأبيه مع البائع المتجول، و طلب منه النصيحة و العون.
لكن الصديق اعتذر بحجة أنه محموم… و كذلك فعل بقية الأصدقاء الكثر، كلهم تنصّلوا منه بعدما علموا بحقيقة الأمر الواقع، و لم يجد أحداً منهم، رغم وفرتهم، بجانبه…
عاد إلى أبيه و الحسرة تملأ قلبه:

– ” يا أبتِ ما العمل؟ فكل أصدقائي اليوم بين مريض و محموم و غائب؟ و لا أريدك أن تذهب إلى السجن… “

نظر إليه والده نظرة يملؤها حنان الأب، ثم قال:

– اتصل بعمك بلال رغم أن الوقت متأخر، و أنه بالتأكيد قد خلد إلى النوم…، و قل له كلمتان فقط: (( والدي بحاجتك )).

فعل الولد ما أمره به أبوه، و اتصل بالعم بلال الذي لم يزد على جملة: ” إن شاء الله ” حرفاً، ثم أقفل الخط!!!.
نظر الإبن إلى أبيه في استنكار، ظنّاً منه أن صديق والده لن يحضر ما دام لم يستفسر منه عن شيء…
و ما هي إلا دقائق حتى وصل العم بلال في ثياب النوم، فقد كان يسكن قريباً من دارهم… ألقى السلام أولاً ثم ألقى نظرة حوله… نظرة كانت كفيلة بأن تفَهّمَه أن في الأمر مصيبة، و أن عليه التصرف بسرعة لمساعدة صديقه القديم… و بسرعة البرق، شمر عن ساعديه، و أمر الولد أن يساعده في حمل الجثة، ثم طلب من الأب أن يفتح الباب الخلفي الذي يفضي إلى الحديقة، و طلب منه بعد ذلك معولا و فأسا و بدأ في حفر قبر لهذه الجثة في الفناء الخلفي من الحديقة دون ان يستفسر أو يسأل عن أي شيء.

و ما كاد يبدأ في الحفر حتى سمع أصوات صفير سيارات الشرطة و قد أحاطت بالبيت بأكمله، و فوجؤوا بعناصر الشرطة، يأمرونهم برفع أيديهم و الإستسلام دون مقاومة… فقد توصلوا بعشرات البلاغات من أشخاص عدة، تفيد بأن صاحب هذا البيت قد ارتكب جريمة قتل في حق بائع متجول و أنه يحاول إخفاء جريمته.

ابتسم الأب ابتسامة عريضة و هو ينظر الى ولده الذي كاد يغمى عليه من أثر الصدمة، فلم يكن يظن أن اصدقائه سوف يتخلون عنه يوما، و يبلغون الشرطة عن والده… بدل أن يساعدوه.
وقبل أن يبادر بالكشف عما تحت الملائة، قال:

– ليس هناك جريمة يا حضرة الظابط، كل ما هنالك أنني اضطررت أن أذبح هذا الخروف كي ألقن ابني الوحيد درسا هاما في الصداقة…

قام الولد و ابنه و العم بلال بتوصيل افراد الشرطة إلى غاية باب البيت، تقديراً لهم على سهرهم على أمن البلاد و العباد، و هناك فوجئ الجميع بعدد كبير من السيارات، يعود معظمها إلى أصدقاء الشاب، و قد تراصّت أمام باب بيتهم استعداداً للفرجة على والد صديقهم حين يتم القبض عليه… التفت الوالد إلى ابنه و هو يضع يده على كتف صديقه المخلص، و قال:

– و الآن ما رأيك يابني؟… أليس عمك بلال بمليون صديق؟

على كل واحد منا أن يراجع لائحة أصدقائه و ينظر كم من بلال لديه…

بقلم: ليلى البصري

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد