الديمقراطية ممارسة و إبداع يومي… على بعد أشهر على الانتخابات التشريعية…؟

رمضان بنسعدون

عصر جديد و متجدد في كل شيء نعيشه آلاما و آمالا، و يتطلب منا مجهودات لمجاراته حينا و النجاة من براثن تجاربه أحيانا أخرى .
.
و هناك أساليب متعددة لمواجهتنا مع ما جد في هذا العصر الطاغي بتكنلوجياته و اختراعاته و عجائبياته و غرائبياته و حروبه .
.
فيتعين الحذر من الاطمئنان إلى لعبة المصطلحات السياسية التي يتداولها منظرو العصر و التنبه للأخطار التي تسببها المفاهيم المقحمة من خارج ثقافتنا و كيف تنقلب انقلاب السحر على الساحر على نفسها و لعل في الديمقراطية المثل المقنع الذي يأتي في قالب غربي يحتاج إلى مراجعة فكرية للثقافة التي أفرزته .
.
في وقت أن حاجتها إلى المشاركة في تغييرات هذا العصر بدلا من التمسك بالأفكار النظرية المطلقة التي تنهار و يظهر زيفها أمام الأزمات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية من أجل قيم صالحة لكل العالم .
.
لقد هلل كثيرون لرياح الديمقراطية الوافدة على الوطن العربي من الغرب عبر الثقافات ، فإن هذه الديمقراطية المرادة لنا تظل مبهمة الملامح لأنها تقتصر على ملمح التغيير عبر ما يسمى صناديق الاقتراع و كأن هذه الأخيرة شفافة أو عكس ذلك تمسك بعصا سحرية لحل كل مشاكلنا .
.
لكن يرى كثيرون أن طرح مفهوم الديمقراطية بهذا الأسلوب المتسرع مع ما ألحق به من مطالبة بحريات اجتماعية غريبة عن واقعنا و ثقافته ، أيقض لدى النخب العربية مخاوف و تحفظات عديدة بالرغم من إيمانهم الراسخ بجوهر الديمقراطية كنهج لتأكيد حرية الإنسان و تشريف اختياره و التشديد على حقوقه في الحياة و التطلع للأفضل .
.
فالديمقراطية بكل تجلياتها الجوهرية هي نشاط إنساني نشأت منذ فلاسفة اليونان الأوائل لكنها لم تبق على حال و ما دامت كذلك فلا بد لها أن ترتكز على أسس ثقافية وثيقة الصلة بالإنسان الذي يمارسها ، أي تلقى الاجتهاد الملائم لهوية كل إنسان في حقل الممارسة الديمقراطية.
.
و بالرغم من أن نخبنا تحبذ الديمقراطية و تقدرها و تجد أنها تمثل تقدما من الجانب السياسي و الأخلاقي إلا أنها تخشى منها على الدولة و الوطنية و التقدم و التنمية في البلاد العربية و بعض هذه النخب تتردد بين التشكيك بصلاح الديمقراطية و الاعتماد عليها كوصفة سحرية و هناك من يرى أنها لا تقدم حلا لكل معضلات المجتمعات إلا أنها تعبر عن تطور نظرة جديدة للإنسان تضعه في إطار المساهمة و تراهن على عمقه الأخلاقي الإيجابي .
.
ذلك أن الديمقراطية ممارسة و إبداع يومي تتكفل مختلف عناصرها بتخفيف الضرر الناجم عن تكليف فئات و شرائح واسعة من الناس لممثلين منهم لتدبير و إدارة شؤونهم خلال مدة معينة من الزمن و الشعوب لا تتعلم إلا من تجاربها الناجحة و الفاشلة .
.
و الديمقراطية تعبير عن التعددية و احترام حقوق الإنسان و المساواة بين البشر دون جور أو ظلم مما يبدو أن أغلبيات تحصل على مقاعدها لدواعي لا ترتبط بالاختيار الرشيد ، بل بغوغائية الخطاب الذي يدغدغ الغرائز السياسية أو الاجتماعية أو الدينية للناخبين خاصة إذا كان الجهد و الأمية تسري بين هذه الشرائح كما ألفنا في مشهدنا السياسي في النصف عقد الأخير من استعمال للمال و شراء الذمم الفقيرة منها .
.
فإن الأمية وصلت ببلادنا بنحو 70 بالمائة و نحن مقبلون على الاستحقاقات التشريعية بأشهر معدودة ، فنحن لا نفتقد للبعض من مقومات النهج الديمقراطي الذي بدأنا أولى خطواته منذ سنوات إلا أنهها تعرضت للإفساد ، لأن البعض من نخبنا التي انبثقت منها فعاليات سياسية لا تتماشى و الخطاب السياسي خلال الكرنفالات الانتخابية و تنقلب على آمال و انتظارات المواطنين لتزج بهم في غرفة الانتظار التي لا تزال تقبع فئات كبيرة من المغاربة تحت مظلتها حتى اللحظة و سئم المعوزون أن تتمتع فئة جد قليلة بالثروات الوطنية مقابل شقاء الأكثرية و ظلم المسؤولين المستشري كالذي حدث من قبل قائد الدروة في حق عائلة فقيرة و ما خفي أعظم و كأنه لم تؤسس هيئة للإنصاف و المصالحة التي وضعت حدا للعودة لماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو كما ذكر مولاي هشام بأن الربيع العربي قضى على المخزن لكن لم يتم تسليم شهادة الوفاة .
.
فإن هناك فرق بين ممارسة الديمقراطية و تجييش الأكثرية للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات بذريعة أن نظاما سياسيا كهذا يفترض هذه الممارسة الاقتراعية بغض النظر عن المشاعر و الهواجس بما في ذلك الأفكار العدوانية التي تتلاعب بمشاعر الناس .
.
و في هذا السياق أن الأكثرية التي تمارس حقها الانتخابي تستخدم هذه الآلية السياسية على نحو انتهازي للتعبير عن ميول شعبوية ساحقة هي في الحقيقة منافية للتجربة الديمقراطية ، لا بل تصيبها في مقتل .
.
ممن يرون أنفسهم الأمهر في مغازلة الميول المتعصبة و الأنانية لدى الناخبين و تكريس الغوغائية الأعلى صوتا .
.
فإن التحدي الذي يواجهه العرب ليس بناء الديمقراطية و لكن بدء عملية التحول و الانتقال الذي طال حتما إلى الديمقراطية التي لا زال لم ينعم بها الفقراء حتى اللحظة و بشكل سلمي عبر الحريات و حقوق المواطنة التي تسمح للأفراد على اختلاف انتماءاتهم و مستوياتهم الثقافية و الاجتماعية بالمشاركة في التفكير الجماعي الحر في المستقبل .
.
و لا يمكن أن تقتصر الديمقراطية في أحد مظاهرها فقط من صندوق الاقتراع كما يرى عارفون ، فالديمقراطية ليست آلية إنما هي ثقافة يومية كما أشار إلى ذلك الحسن الثاني الذي أكد أن الديمقراطية في أبهى تجلياتها هي أن الأغلبية لم يكن رأيها دوما سديدا بل يتعين الإنصات لرأي المعارضة الذي قد يكون صائبا .
.
إن الديمقراطية صمام الأمان بعدم تفريغها من محتواها الإنساني الأهم و هو حق الاختلاف و احترامه و الحرص على التعددية و صون كرامات الناس بإعمال العدالة بينهم هذه كلها تحصينات لمفهوم الديمقراطية الحضارية لا الشعبوية الغوغائية ، لا يمكن الارتقاء إليها إلا برفع أداء الناس الحضاري لتكون اختياراتهم أكثر رشدا .
.
طموح لا سبيل إليه إلا باحترام واقع و إرادة الشعب و ثقافته و تراثه .
.
تلكم هي الديمقراطية التي أوصلت حماس إلى الحكم بغزة بفلسطين و التي جلس بفضلها مرسي أول مرة في تاريخ مصر على كرسي الرئاسة بانتخابات الأكثر نزاهة في العالم العربي .
.
و يمكن القول أن دستور 2011 ببلادنا هو الذي سينتصر في المعركة الديمقراطية عبر الاستحقاقات القادمة فهو الذي سيجمع كل الكتل و التيارات السياسية المتنافسة في كتلة واحدة تحت قبة البرلمان و يدفعها للقيام بدورها التشريعي و الرقابي نتمنى هذه المرة أن يكون بدون نوازع شخصية كما رأينا من بعض السياسيين و القيام بالمهام المنوطة التي على الحكومة المقبلة أن تقوم بإنجازها ، مشاريع عديدة تهم الوطن و المواطنين و هما في أمس الحاجة لتشريعات و قوانين تكفل للمغرب دفعة قوية للعب دوره الريادي بالمنطقة إقليميا في كل المجالات يضمن للمغاربة و شعوب المنطقة الأمن و الاستقرار و التنمية بفضل القيادة الرشيدة للملك محمد السادس .
.
إن الديمقراطية المغربية مرفأ أمان للمنطقة كلها و سوف تنجلي إرهاصات التنافس الانتخابي كغبار عابر لتبقى مصلحة الوطن و ستصبح كل معركة نخوضها هي تأكيد على رسوخ التجربة الديمقراطية و استمرارها فبها تنفتح أبراب الحرية للتحاور و التفاهم و المشاركة في اتخاذ القرار الأصوب.
.
الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن كثير من التساؤلات و الآمال .
.
؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد