لهذا أصبح فتح الحدود أولوية للأسر المشتركة بين المغرب و الجزائر بالصحراء الشرقية

المختار العيرج ـ الرشيدية
في التاريخ القديم و الوسيط لم تعرف أسر مناطق الحدود تقسيما و لا تشتيتا و لم يستطع لا العثمانيون و لا الفرنسيون إحداث شرخ فيها، فالأتراك لم يدخلوا تراب ما اصطلح عليه لاحقا بالصحراء الشرقية، و الفرنسيون الذين احتلوا المغرب و الجزائر و نصبوا الحدود خصوا سكان مناطق الحدود بوضع خاص ترجمه اتفاق باريس لسنة 1901، فظلت حركة البشر و البضائع قائمة، و لم تنتصب الحدود في وجه السكان إلا مع مطلع عام 1962.

و ابتداء من هذه السنة حدث لأول مرة في التاريخ تقسيم الأسر بين المغرب و الجزائر، و وضعت الأسلاك الشائكة على تراب لم يعرف منذ أن وعى الإنسان وجوده بهذه الديار حدودا و لا موانع و لا حرمان… فعلى امتداد السنوات الست التي تفصل استقلال المغرب عن الجزائر مارس السكان كالعادة حرية التنقل في الاتجاهين بدون عراقيل تذكر، إلا أنه بعد استقلال الجارة الشرقية سنة 1962، سيستيقظ السكان على واقع جديد غير مألوف، واقع تشرذمهم بين دولتين، و بين جنسيتين و بين وطنين.

فترتب عن ذلك خرق للكثير من بنود الميثاق العالمي لحقوق الإنسان حرم السكان من حقهم في التجمع العائلي و إحياء الرحم، من ممتلكات بعضهم، في الجزائر ترفض السلطات توزيع الأراضي السلالية بدعوى وجود ذوي حقوق يحملون جنسية مغربية، و في المغرب تضيع أراضيهم السلالية التي صار جزء منها أراضي عازلة، كما لم ينصفهم التقسيم الإداري و الترابي الأول في المملكة، الذي أقحمهم فقط في دائرة قيادة دوي منيع في موطنها الأخير بعين الشواطر بإقليم فجيج، و حرمهم من مواطنها السابقة بأمفيس و أرفود و بودنيب بإقليم الرشيدية.. فخسروا بذلك الكثير من أراضيها السلالية في امفيس و مرزوكة و غيرها …

فقيادة ذوي منيع التي أحدثت سنة 1957 كانت قيادة سياسية أكثر من أي شيء آخر تعكس عبث فرنسا بالتراب المغربي الذي دخلته بموجب اتفاق الحماية… و صار السكان اليوم بعد عملية توزيع الأراضي السلالية كالأيتام في مأدبة اللئام، فالبلبيلة التي كانت الأمل ستوضع العراقيل و يفرض على السكان حل تقسيمها مع جماعات سلالية تمتلك الشيء الكثير.

فبسبب غياب قوانين إدارية متأقلمة مع وضعيتهم وجد رجال الإدارة الترابية أنفسهم محشورين في زاوية ضيقة، فكان السكان هم الضحايا، ففي المغرب الذي لم يستكمل بعد وحدته الترابية لم تفكر الدولة في رعاياها ذوي الوضعيات الخاصة كسكان سبتة و مليلية و الأسر المشتركة التي آثرت الإقامة بالتراب الوطني موثرة له على ترابها الذي صار بعد الإستقلال خلف الحدود، لكن الإدارة المغربية حين سنت بعض القوانين لم تفكر في أحوالهم و كبلت أيادي مسؤوليها في المصالح الخارجية بإجراءات غير منصفة ولا مقنعة لكنها غير قابلة حتى للإجتهاد.

في ظل هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية ترى الأسر المشتركة أن مصلحتها اليوم تكمن في فتح الحدود ليتنقل أفرادها عبر كلمترات معدودة و في ساعات قليلة بين البلدين عوض الجو بالطائرات المكلفة ماديا و صحيا و نفسيا و التي تتطلب أياما و ليالي طويلة، و بموازاة ذلك طرح قضاياهم على الدولة المغربية و الجزائرية للتفكير المشترك في تنمية مناطق الحدود و جبر الضرر الجماعي و إنصاف الأسر المشتركة التي عانت أثناء سنوات الحرب الباردة من تعسفات و ظلم لا داعي له سوى لأن هذه الأسر مشتتة بين الدولتين، و كان ذلك في نظر البعض كاف لوضعهم في دائرة الشبهات، فالشباب ظل محروما من الوظائف الأمنية و العسكرية السامية فقط لأن التحريات أشارت لوجود أقارب له في الضفة الأخرى، و كم من مرة اعتقل السكان و أهينوا بسبب وشاية كاذبة أو تصفية حسابات مفضوحة بسبب وضعية الإنقسام و التشتت، و حين يتظاهر السكان فإن المسؤولين يشككون في ولائهم، و توظف كذلك هذه الوضعية لبث الرعب في صفوفهم لثنيهم عن مطالبهم.

إن فتح الحدود صار ضرورة إنسانية و كذلك فرصة لتفكير جماعي مشترك في مستقبل آخر مختلف يجب أن تساهم فيه الدولتان لجبر ضرر جماعي ظل في حالة شرود حين عوض البعض و جبر ضرر البعض الآخر و حان الوقت اليوم للأسر المشتركة لتستفيد من الجغرافيا التي ظلت سياطا تجلد الأجسام فقط.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد