أحمد راكز
عندما أدنت إحراق العلم أرجعت الحراك إلى جادة الصوات وأكدت فعلا بعده الوطني والحقوقي، كامتداد للانتفاضات الشعبية السابقة، منذ 23 مارس 1965 مرورا بانتفاضة الكوميرا 1981 وانتفاضة الماء 1984 وانتفاضة الكرامة بفاس 1990، ثم هبة الربيع العربي في 20 فبراير 2011، التي أتت بدستور هو أرقى الدساتير العربية ووضع الخطوة الأولى للملكية البرلمانية، التي هي لابدة أتية رغم استمرار وتعزيز الملكية التنفيذية بفعل غلبة التيار الرافض للمطلب الرافع بضرورة مأسسة الملكية كملكية برلمانية.
لقد تتبعنا حراك الريف منذ بداياته على إثر مقتل محسن فكري، وشاركنا في أوله في المظاهرة الضخمة في الحسيمة التي فجرت زخمه، وبعدها تظاهرات أخرى لأن الشعارات التي رفعها كانت شعارات الشعب المغربي في أبعادها السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما جعل عموم النخبة الديمقراطية والتقدمية تساند الحراك.
ولمسنا أن تظاهرات الحراك كأية تظاهرات مثلها تجمع كل أطياف التقدم بمختلف تواجهاتها، المعتدلة والوسطية والمتطرفة، كما تجمع المناضلين الحقيقيين والمناضلين الدعاة والباحثين عن الرأسمال المادي أو الرمزي، ممن يرغبون في الركوب لصالح من معهم أو خلفهم.
ومن ضمن المشاركين دائما كان دعاة الانفصال، الذين بدأوا قديما وفشلوا، لأن عبد الكريم الخطابي لم يكن أبدا إنفصاليا ولا مناوئا لبلده الأصلي، بل كان مناضلا وقائدا حقيقيا للوطنية المغربية في صيغتها ضد الاستعمار، مقاومة الاستعمار بالسلاح بما يليق بمقاومته حتى التحرير.
وعندما أعلن الجمهورية في أنوال فقد أعلنها كقاعدة خلفية لتحرير الوطن، لا للانفصال عليه، وهكذا كان فقد كان عمله هو الخلفية الحقيقية لتحرك الحركة الوطنية في بدايات العشرينات على يد علال الفاسي ومن شايعه، وليس في تناقضات مع حركة عبد الكريم، بل كموازاة سلمية لها في الداخل المغربي.
وعندما شاركنا شخصيا في تظاهرات الحسيمة عند انطلاقها والناظور قبل الرباط ولاحظنا فعل الانفصاليين بمختلف أنواعهم من سواسة وزيان وزمور وبعض من مَن كان يستغل حركتهم للتمدد وضعنا يدنا على قلبنا توجسا من غلبتهم وتحويل حراك الريف إلى حراك انفصالي.
ورفعنا يدنا عن قلبنا (أوووف) عندما تأكدنا بأن الحراك سيبقى على أصله.. حراك شعبي يهدف الإصلاح الراديكالي، خصوصا عندما تابعنا شخصيا بطريقتنا التجريبية لقاء مهما جرى بالناظور في مقهى المركب الاجتماعي لأصحاب التعليم بالشاطئ، وأبعد فيه قياديو الحراك ممثلين عن جمعيات انفصالية متطرفة حتى لا يشوب الحراك شائبة الانفصال.
ومن جهته كان للملك محمد السادس دور رائد في توجيه السلطة نحو التعامل العقلاني مع الحراك بواسطة خطبه، مما جعل الحراك يستمر لأكثر من نصف سنة دون أن تتدخل القوة إلى حين ما وقع في إمزورن. فلماذا هذا الانتظار الطويل لو كان فعلا الحراك إنفصاليا؟ وما وقع في إمزورن من انفلات لعناصر قلة يقع في جميع التظاهرات ولم تخل منه تظاهرات سابقة بالمغرب، إذ واجهت عناصر مدفوعة أو متهورة أو مراهقة قوات الأمن بالعنف، لكن التظاهرات استمرت إلى آخرها.
نعود ونقول إذن يا محمد لقد احتضن الديمقراطيون والتقدميون الأصلاء الحراك بعيدا عن موقف النخبة المندمجة، لسبب رئيسي هو أن الحراك رفع الشعارات التي يجب أن ترفع في المسألة الريفية المؤشكلة منذ القدم عكس لما كان ينتظره الانفصاليون سواء منهم النفعيين أو الخاطئين: النفعيين، دعاة الانفصال بالخارج والخاطئين هم ذوو التطرف في مطلب التغيير.
رسالتك الصوتية الأخيرة ردت الأمور إلى نصابها لأن الانفصاليين نجحوا في التشويش، فتحية لك ولعقلانية الحراك.
أحمد راكز معتقل سياسي سابق