عمر أبكير
عشنا في زمن مضى سيئات تدبير الانتخابات التي كان يتدخل فيها المقدم والشيخ والقائد والاعيان ، فكانت الصناديق تخيب امال الطبقة المتنورة وتخيب امال قادة الاحزاب الوطنية فتحولت الصناديق الى صناديق شفافة وبقيت اوراق اللعب دون تغيير، تراجعت أحزاب اليسار وتبلقنت وتراجع الفكر كثيرا الى مرحلة تكاد تشبه العدم ، تحول العمل السياسي إلى حرفة ومهنة يمارسها البعض بدهاء كبير .. وقطع الوطن أشواطا كبرى في التاسيس لدولة الحق والقانون هذا الاخير الذي أصبح الكل ينتظر منه أن يكون الفيصل بين الحق والباطل ، وبدت معالم دولة المؤسسات ، وبين الأمس واليوم هل يتبدد الحلم بعدم تدخل هاتف الليل في صناعة الخرائط؟؟
إن اللعبة السياسية التي تحولت الى كرة ملهاة ومسرح “مفضوح” للتحكم في الرقاب والسعي الى ضبط المنبه وخلق التوازنات في ظل أحزاب ميتة تعيش الدرك الأسفل من الحياة أو لنقل عظاما تحولت إلى رميم في وقت كانت فيه تعيش مرحلة بناء الوطن والنقد البناء وانتزاع حقوق المواطن وعدم الالتفات إلى المناصب! .. ما الذي وقع ياترى حتى دجنت فأصبحت تنتظر حصتها من الخريطة ؟ لماذا هذا الانصهار حتى النخاع من أجل كراسي وهمية وفوز خرافي من السراب ..
حينما تطرح دولة الحق والقانون سؤال لماذا العزوف عن المشاركة السياسية ؟ عليها أن تعلم أن تمييع المشهد السياسي وتفريغ القالب القانوني للعدالة من مضمونه سببا كافيا ، فدرجة الوعي مع كل ما يقع في أوجها ، شباب يرى بعيون متبصرة ويترقب كل شيء وينتظر أشياء كثيرة لرد الاعتبار للعمل السياسي الذي يبني الوطن ، للعمل السياسي الذي لا يطلب الرأفة بالمجرمين ، للعمل السياسي الذي يطالب بمحاربة المفسدين آكالي المال العام .. العمل السياسي الذي يُخلق الحياة ويرفض حياة القطيع والمحاباة ويعلن القطيعة مع ” قولو العام زين”.
إن الحزب الذي يبني آمانيه ويمني مناضليه بمقاعد البطلان لا يصلح أن يكون بتاتا منافسا في الانتخابات المقبلة ولا يصلح بتاتا أن ينتج ما ينفع الناس ، تماشيا مع قاعدة ” مابني على باطل فهو باطل ” ، إن محاربة الفكرة لا تكون الا بالفكرة ومحاربة المشروع لا تكون إلا بالمشروع ، المشروع الحداثي لدولة الحق ودولة القانون ، التي يكون فيها العدل أساسا متينا ، عدالة يقف فيها الكل سواسية في ميزان القضاء عندها يحس المواطن أنه جدير بأن يكون مشاركا ، معبرا عن صوته بحرية وديمقراطية ، مناديا بصوت عال ” أنا هنا”..
نحن قاب قوسين أو أدنى من أمل نتمنى أن لا يبدده هاتف الليل لعدالة تكون مواطنة في انتظار أحزاب تعيد الأمجاد بقيادات تعشق الوطن والحرية والديمقراطية وتسمو بالانسانية ، أحزاب ترفض أن تكون دكاكين انتخابية ومحلات خردة أحزاب تفضل أن تتحول الى متاحف تحترم ماضيها التليد بدل أن تبيع شرفها بالوهم ..
إن هذا الواقع السياسي المريض وصل مستوى من الضحالة تستوجب نقدا ذاتيا متفردا يعيدها الى معانقة المواطنين ، ألا ترون أن كل شيء تحول الى ركام ، نقابات فقدت مصداقيتها فلم تعد تستطيع تنظيم حتى تظاهرات فاتح ماي ، عمل جمعوي فقد بوصلته ، وحالة من التراجع الفكري ..
لقد تم تشيء كل شيء، وفي انتظار الرجوع والعودة للعمل السياسي الحقيقي الذي من خلاله تتنفس عبق وحس الممارسة البناءة..
ونحن نقترب من هذه المحطة ، تحضرني نكتة القط الذي اعتمر في الحج وأصبح فقيها ، فبعث الفئران أبناءهم ليتأكدو من علامة حج القط ، فما كان منهم إلا رأوه قد أمعن فيهم النظر وحرك الشوارب والذيل وترصدهم ، فرجعوا مهرولين ، قائلين لابائهم إن العلامة واضحة ومن عنده جحرا فل يزد في تعميق حفره ومن ليس له جحرا فليبحث عن ملاذ آمن..
لذلك لا تستكينوا ولا تنتظروا شاركوا بقوة من أجل التغيير أيها الشباب ، شاركوا في هذه المحطة القادمة ببسالة ، حاربوا الرشوة وشراء الاصوات ومظاهر البذخ .. وبمشاركتكم لا شك سيكون النصر حليفكم بعيدا عن هاتف الليل ومن أجل تغيير حقيقي للخرائط المتوقعة..