هبة زووم – جمال البقالي
لم يكن المهندس المسؤول عن مشروع تهيئة ساحة “فارو” أو ما يُعرف لدى الطنجاويين بـ”سور المعكازين”، يدرك أن توقيعه على التصميم الجديد للساحة الشهيرة، سيكون بمثابة تذكرة عبور نحو الإعفاء.
فالشكل الجديد الذي ظهرت به الساحة لم يُثر فقط سخط المواطنين بل فتح نقاشًا عميقًا حول مفهوم التهيئة الحضرية، ومكانة الذوق الجمالي والرمزي في السياسات العمومية المتعلقة بالفضاء العام.
وحسب مصادر موثوقة من داخل ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، فقد أصدر الوالي يونس التازي قرارًا يقضي بإعفاء المهندس “إ.م” من مهامه بعد زيارة ميدانية مفاجئة قادته إلى ساحة فارو مباشرة عقب عطلة عيد الأضحى.
وعاين الوالي ميدانيًا حجم الاستياء الشعبي من النتيجة النهائية لأشغال التهيئة، حيث تكدست الانتقادات في الفضاء الرقمي مصحوبة بصور “التشويه” المزعوم لساحة ذات رمزية خاصة في الوجدان الطنجي.
وتُعدّ ساحة “فارو” واحدة من أهم الفضاءات العمومية التي تطل على الواجهة الأطلسية للمدينة، وتتميز بتاريخها العريق وارتباطها الوثيق بحياة السكان، خاصة فئة المتقاعدين والمسنين الذين دأبوا على ارتيادها يوميًا.
غير أن التدخل الأخير الذي طمس معالمها الأصلية وقلّص من عناصرها الجمالية، دفع العديد من النشطاء إلى وصف المشروع بـ”الإساءة المعمارية” التي تمّت في غفلة من الذوق والمشورة.
الوالي، الذي يبدو أنه التقط الإشارة من أولى ردود الفعل، لم يتأخر في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث لم يكتفِ بإعفاء المهندس فقط، بل أعطى تعليماته بإعادة تهيئة الساحة من جديد، على أن يتم تكليف مهندس بديل بإعداد تصميم يستجيب لتطلعات الطنجاويين ويحترم البعد التاريخي والمعماري للمكان.
المهندس المعفى – تضيف مصادر الجريدة – ليس غريبًا عن مثل هذه القرارات، فقد سبق إعفاؤه من مهام مماثلة سواء من طرف الوالي السابق محمد اليعقوبي في الرباط، أو من طرف الوالي محمد امهيدية بطنجة، ما يطرح تساؤلات مقلقة حول المعايير التي يتم بها إعادة تدوير الأطر التي فشلت في مهام سابقة داخل مشاريع عمرانية أخرى.
وسبق للمهندس ذاته أن أشرف على تصميم سوق “فندق الشجرة”، وهو المشروع الذي بدوره عرف انتقادات عديدة آنذاك بسبب اختياراته الهندسية التي وصفت بأنها “منبتة الصلة مع روح المدينة العتيقة”.
هذا التطور يكشف عن تحول تدريجي في تعامل السلطات مع مطالب المواطنين المتعلقة بجودة الحياة في المدينة، في ظل تصاعد الوعي الجماعي بأهمية الحفاظ على الطابع المعماري للفضاءات العمومية، وتفادي ما يُسمى بـ”التحديث القسري” الذي يُقصي الذاكرة البصرية للمكان.
وتؤكد الخطوة التي أقدم عليها والي الجهة أن طنجة لم تعد تحتمل مزيدًا من التهجين المعماري، ولا مجال بعد اليوم لمشاريع تفتقر إلى الحس الجمالي، أو تُسند لمهندسين يعيدون إنتاج الرداءة في مواقع مختلفة.
في المقابل، يُطالب فاعلون مدنيون ومهنيون بإعادة النظر في طريقة تدبير الصفقات المرتبطة بتهيئة الفضاءات العمومية، عبر فتح ورشات تشاركية مع المعماريين المحليين، والمجتمع المدني، والمؤرخين الحضريين، حتى لا تتحول مشاريع التجميل إلى طمس للهوية.
ولعل قصة “ساحة فارو” ليست سوى جرس إنذار جديد يُنبه إلى أن العمارة ليست فقط إسمنت وحديد، بل ذوق وذاكرة ورؤية للمستقبل.
تعليقات الزوار