هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الشفافية والعدالة الإدارية، وتُروّج فيه الدولة المغربية لمشاريع إصلاح الوظيفة العمومية وفتح الباب أمام الكفاءات الشابة، تعيش وزارة الفلاحة واقعًا مقلقًا يعكس انفصامًا حادًا بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية داخل دواليبها.
فقد فجّرت الجامعة المغربية للفلاحة، المنضوية تحت لواء الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، ملفًا شديد الحساسية، يتمثل في “الاستمرار غير المبرر لبعض المتقاعدين في تقلد مناصب المسؤولية”، إما عن طريق التمديد أو عبر التعاقد.
بلاغ الجامعة لم يكن مجرد بيان نقابي عابر، بل صرخة حقيقية تعبّر عن حالة من الاحتقان المتصاعد وسط الأطر النشيطة داخل الوزارة، التي تجد نفسها أمام جدار سميك من الإقصاء والتهميش، بينما تُمنح المسؤوليات لأشخاص فقدوا الصفة القانونية لمزاولة المهام الإدارية بحكم الإحالة على التقاعد.
التمديد.. قانون فوق القانون؟
في دول تتبنى مبدأ الحكامة، يُعد التقاعد محطة لنقل المشعل وتجديد النخب داخل الإدارة، لكن وزارة الفلاحة تسير عكس هذا التيار. تقول الجامعة المغربية للفلاحة إن الممارسات الجارية تُعد خرقًا واضحًا للقوانين والمساطر، بل تشكّل خطرًا على العدالة الإدارية وتكافؤ الفرص.
فكيف يُعقل أن تظل مناصب المسؤولية حكراً على من بلغوا سن التقاعد، ويتم تمديد مهامهم لأجل غير معلوم، فيما تُقصى الكفاءات الشابة التي راكمت تجربة طويلة وتنتظر دورها المشروع في الترقّي المهني؟
الواقع أن ما يجري لا يمكن فصله عن ثقافة التحكم والمحسوبية التي ما تزال تهيمن على دواليب بعض القطاعات العمومية. فالتمديد، الذي يُفترض أن يُستعمل استثناءً ولضرورات قصوى، تحوّل إلى قاعدة غير مكتوبة داخل الوزارة، ما يُفرغ مبادئ الشفافية والتجديد من مضمونها.
التعاقد.. وجه آخر للتمييع
أخطر ما كشفه بلاغ الجامعة هو استمرار الوزارة في التعاقد مع متقاعدين لشغل مناصب حساسة. وهو ما يثير تساؤلات مقلقة: بأي منطق يتم إقصاء موظفين نشيطين لصالح أشخاص خرجوا من الباب ليعودوا من النافذة؟ وأي مصلحة إدارية في هذه السياسة؟ ثم، ألا يشكّل هذا التوجه استخفافًا صريحًا بالموارد البشرية التي تزخر بها الوزارة، خاصة في صفوف الأطر الشابة؟
ما يجري، حسب الجامعة، يُقوّض مصداقية المؤسسات العمومية ويكرّس التمييز الوظيفي، في ضرب مباشر لمبدأ “الأجر مقابل العمل” ولقيمة الجدارة والاستحقاق، التي ما فتئت الخطابات الرسمية تلوكها دون أثر على الأرض.
تحقيق مطلوب.. والمحاسبة ضرورية
في ظل هذه الانزلاقات، دعت الجامعة المغربية للفلاحة إلى فتح تحقيق إداري نزيه في ملفات التمديد والتعاقد، مطالبة بتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية اللازمة.
فالسكوت عن هذه الممارسات، حسب النقابة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة داخل القطاع، خاصة أن الموظفين يشعرون بأن الإدارة تسير بمنطق “الولاءات” لا الكفاءات.
وتحذّر الجامعة من تداعيات هذه السياسات على الاستقرار الوظيفي، معتبرة أن استمرار المتقاعدين في مواقع النفوذ يجهز على أي أمل في إصلاح إداري حقيقي، ويُحبط معنويات الأطر التي ترى مناصب المسؤولية تُفصّل على المقاس.
يقظة نقابية وتحدي الإصلاح
ختامًا، دعت النقابة كافة الأطر والمهنيين إلى مواصلة اليقظة النقابية، والتبليغ عن كل التجاوزات التي تُعيق إصلاح القطاع.
فالدفاع عن مشروع إدارة عمومية حديثة ومنصفة، لا يمكن أن يتم في ظل منطق “التمديد بلا مبرر” و”التعاقد الانتقائي”، بل عبر ترسيخ آليات الكفاءة والشفافية والتناوب في تقلد المسؤوليات.
إن وزارة الفلاحة مدعوة اليوم إلى القطيعة مع ممارسات الريع الإداري، والعودة إلى منطق الإنصاف، لأن الرهان لم يعد تقنياً أو قانونياً فحسب، بل هو رهان سياسي وأخلاقي على مستقبل الإدارة المغربية ومصداقية مشروع الإصلاح برمّته.
تعليقات الزوار