سجلماسة تعود إلى الواجهة: اكتشاف أقدم مسجد بالمغرب وأدلة على سكّ النقود الذهبية في قلب الصحراء

هبة زووم – الرشيدية
في كشف أثري غير مسبوق، أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، من خلال المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP)، عن نتائج استثنائية لعمليات التنقيب الجارية بمدينة سجلماسة التاريخية، الواقعة في الجنوب الشرقي للمملكة، والتي أزاحت الستار عن معالم حضارية فريدة تؤرخ لمراحل مفصلية من تاريخ المغرب.
وبحسب بلاغ رسمي صادر عن الوزارة، فإن النتائج المحققة تُعد من الأهم خلال العقدين الأخيرين، وتشمل اكتشاف حي سكني من الفترة العلوية يعكس نمط حياة الشرفاء العلويين، وأقدم مسجد معروف حتى الآن في المغرب، فضلاً عن دار سكّ ومصنع لصياغة النقود الذهبية، تؤكد جميعها على البعد الروحي والاقتصادي والحضري الذي ميّز سجلماسة عبر قرون.
حي سكني علوي ومركز ديني فريد
أسفرت الحفريات عن الكشف عن مجمع سكني يعود للعهد العلوي، يُعتقد أنه كان مسكناً لبعض أعيان المنطقة أو الشخصيات المرتبطة بالسلطة المركزية.
كما أظهرت الدراسات الأثرية وجود مسجد ضخم على مساحة 2600 متر مربع، يتكون من عدة طبقات معمارية متعاقبة، يعود بعضها إلى عهد أبي المنتصر اليسع المدراري، أحد حكام سجلماسة الأوائل، مما يُعزز من أطروحة قدم الإسلام في المنطقة ودوره في تشكيل البنية المجتمعية للصحراء المغربية.
صناعة النقود في قلب الصحراء
من بين أبرز الاكتشافات، ما اعتبره الباحثون أول دليل مادي على نشاط دار سك النقود بالمغرب، إذ تم العثور على فضاءات وورشات مخصصة لصياغة الذهب، وقطع نقدية منقوشة بخط كوفي، يُرجّح أنها كانت تُستخدم في التجارة الصحراوية العابرة للحدود.
هذه المعطيات تُبرز الأهمية الاقتصادية لسجلماسة كمركز تجاري ومالي محوري يربط بين المغرب وعمقه الإفريقي.
أفق جديد لفهم الفن الإسلامي والتاريخ الحضري
وتضمّن الموقع عدداً من اللقى الأثرية النفيسة، منها قطع خزفية وخشبية منقوشة، ومخطوطات جزئية، ما يفتح الباب أمام إعادة قراءة تاريخ الفن الإسلامي بالصحراء، ويتيح فهمًا أدق لنمط الحياة، والهندسة المعمارية، وعلاقات الإنتاج والاستهلاك التي كانت سائدة في المنطقة.
كما اعتبر المختصون أن هذه الاكتشافات تُسهم في إعادة تركيب مشهد الوجود السياسي والاقتصادي في الجنوب الشرقي للمغرب، وتؤكد أن سجلماسة لم تكن فقط محطة تجارية، بل مركز إشعاع حضاري وثقافي إفريقي مشترك، لعب دوراً ريادياً في نقل الأفكار، والسلع، والدين، عبر الصحراء الكبرى.
نحو إدماج سجلماسة في خارطة التراث العالمي؟
وتأتي هذه الاكتشافات في سياق جهود متواصلة تبذلها الوزارة لحماية وتثمين التراث الأثري الوطني، وهو ما يُعيد طرح مسألة تصنيف سجلماسة ضمن لائحة التراث العالمي لليونسكو، بالنظر إلى رمزيتها التاريخية ومكانتها كمهد للدولة المغربية وملتقى للقوافل الصحراوية.
سجلماسة اليوم لا تروي فقط تاريخاً منسيًا، بل تُبعث من جديد كمرآة لذاكرة الجنوب المغربي، وكجسر ثقافي وروحي بين المغرب وعمقه الإفريقي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد