هل أصبح السفر بالعملة الصعبة؟ شركات طيران أجنبية تُقصي المغاربة ووزارتا النقل والسياحة في قفص الاتهام
هبة زووم – الرباط
في سابقة خطيرة تهز ثوابت السيادة النقدية ومبادئ العدالة الاقتصادية، تفجّرت مؤخرًا فضيحة مدوّية طالت وزارة النقل واللوجستيك ووزارة السياحة، بعد أن وجه الفريق الاشتراكي بمجلس النواب اتهامات مباشرة للوزارتين بشأن سكوتهم المريب إزاء ممارسات شركات طيران أجنبية تفرض على الزبائن المغاربة أداء ثمن التذاكر ـ حتى للرحلات الداخلية ـ بالعملة الصعبة وبطاقات الدفع الدولية فقط.
الأمر الذي كان يُعتقد أنه مجرد خلل تقني أو خيار إضافي سرعان ما تحول إلى قاعدة عامة مفروضة قسرًا على المواطنين، ما أثار سخطًا شعبيًا واسعًا، خاصة في ظل صمت رسمي وصفه مراقبون بأنه “صمت تواطؤ”.
في خطوة برلمانية جريئة، وجهت النائبة لطيفة الشريف عن الفريق الاشتراكي سؤالًا كتابيًا إلى وزير النقل واللوجستيك، طرحت فيه تساؤلات حارقة: بأي منطق تُفرض على المغاربة أسعار الرحلات داخل وطنهم باليورو أو الدولار؟ وأي قانون هذا الذي يُقصي من لا يحمل بطاقة دولية من حقه في التنقل؟
الشريف اعتبرت أن هذه الممارسات تمثل خرقًا فاضحًا لقانون حماية المستهلك، وتعديًا مباشرًا على السيادة المالية للمغرب، وتُكرس منطق التمييز داخل السوق الوطنية بين “مواطن بعملة صعبة” و”مواطن من الدرجة الثانية”، لا يملك غير الدرهم وسقف الأمل.
الغريب أن وزارة السياحة، التي يُفترض أن تكون في مقدمة المدافعين عن تشجيع السياحة الداخلية والولوج العادل للخدمات السياحية، اختارت أن تلزم الصمت في مواجهة شركات تُقصي فعليًا آلاف المواطنين من الحق في التنقل.
فكيف تدّعي الوزارة دعم “الاقتصاد التضامني” بينما تسمح بتهميش المواطنين غير المتعاملين بالعملات الأجنبية؟ وكيف يمكن لمواطن أن يسافر إلى أكادير أو الداخلة أو وجدة، ولا يملك “فيزا” أو حسابًا باليورو؟!
الأخطر في القضية أن هذه الشركات الأجنبية تتصرف بمنطق الهيمنة، وكأنها فوق القانون الوطني، في مشهد لا يمكن تفسيره سوى بوجود ثغرات خطيرة في الرقابة أو وجود تواطؤ مقنّع. فهل نعيش في اقتصاد سوق تُحدده القوانين الوطنية؟ أم في سوق موازية تُدار وفق قواعد شركات متعددة الجنسيات، لا تعترف بسيادة الدول إلا إذا فرضت عليها ذلك؟
هذه السياسة تسيء إلى صورة المغرب كدولة ذات سيادة نقدية، وتدفع المواطن العادي إلى الشعور بالغربة داخل وطنه، حين يُطلب منه أداء ثمن تذكرة داخلية بعملة أجنبية.
الكرة اليوم في ملعب وزير النقل واللوجستيك ووزيرة السياحة. فإما اتخاذ قرارات عاجلة وجريئة لوقف هذا العبث واستعادة هيبة الدولة في تنظيم السوق الوطنية، أو الاعتراف بالعجز وفتح المجال أمام من يملك الإرادة لحماية المواطن من تحوّله إلى زبون مشروط بالعملة الصعبة داخل بلاده.
فما يجري ليس مجرد خلل في نظام أداء، بل هو تآكل تدريجي لمفاهيم السيادة والمساواة والعدالة الاجتماعية، وهو ما يستدعي مساءلة حقيقية، ليس فقط للشركات المتورطة، بل للجهات التي سمحت لها بتحويل السوق المغربية إلى “مكتب صرف طيران”، يُقصي المواطن ويكرّس التمييز النقدي داخل البلد الواحد.