هبة زووم – أبو العلا العطاوي
تعيش مدينة سيدي قاسم هذه الأيام على وقع حالة من الانطفاء الرمزي، لا تتعلق فقط بالإنارة أو المشاريع المعطلة، بل بالأحرى بانطفاء الأمل الجماعي في نهوض تنموي حقيقي.
فالعتمة التي تخيم على المدينة ليست فقط في شوارعها، بل في تفاصيل إدارتها اليومية، وفي قراراتها السياسية، وفي وعود لم تجد طريقًا نحو التحقق.
الفاعل المحلي، سواء كان سياسيًا أو مثقفًا أو إعلاميًا أو ناشطًا مدنيًا، بات مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بأن يعيد النظر في موقعه مما يحدث، لأن ما يواجه المدينة ليس مجرد أزمة تدبير بل جريمة في حق التنمية، ترتكب بتواطؤ النخب التي تُفترض فيها قيادة التغيير.
لقد أثبتت التجربة أن النخب السياسية المحلية، المشكلة للأغلبية داخل المجلس، لم تكن في مستوى المرحلة ولا في مستوى الانتظارات، بل تحولت مؤسسات الجماعة إلى مسارح للتجاذب والصراعات الهامشية، بدل أن تكون ورشات عمل حقيقية لخدمة الساكنة.
وبينما تتقاطع مصالح الفاعلين وتُدار الملفات بحسابات ضيقة، تغيب الكفاءة، وتغيب الرؤية، وتغيب حتى “الغيرة” على المدينة.
النخب التي كان يُفترض أن تضيء طريق سيدي قاسم، سقطت في فخ العجز والارتهان، حيث أضحت مجرد دمى بيد من يوجهها وفق أجندات لا علاقة لها بهموم الساكنة، بعضهم رهن مبادئه في أسواق النخاسة السياسية، والبعض الآخر اختار الانزواء والمشاهدة عن بعد، وكأن معاناة الساكنة لا تعنيهم.
لقد فشلت هذه النخب فشلًا ذريعًا في تحويل الدعم العمومي والامتيازات التي حصلت عليها إلى منجزات على الأرض. فلا مشاريع تُذكر، ولا دينامية اقتصادية تلوح في الأفق، ولا حلول تخرج المدينة من أزماتها المتراكمة، بل الأدهى أن قطار التنمية في سيدي قاسم انحرف عن سكته تمامًا، وترك خلفه مدينة تئن تحت وطأة التهميش.
والمؤلم أكثر، أن هذا السقوط لم يحدث نتيجة ظرف قاهر أو عجز مالي مطلق، بل بسبب أزمة ضمير، ونفور من المسؤولية، وسوء تقدير للرهانات. وقد أصبحت المدينة حبيسة رؤية قاصرة، تضع المصالح الشخصية فوق المصلحة العامة، وتُغلب الولاءات على الكفاءات.
إن ما تعانيه سيدي قاسم اليوم هو مرآة لما تؤول إليه المدن حين تُدار بدون روح، وبدون مشروع، وبدون قيادة حقيقية. وهي دعوة ملحة إلى مساءلة كل من أوصل المدينة إلى هذا الحال، ومراجعة شاملة للمنظومة المحلية، من أجل استعادة البوصلة، وإعادة الإيمان لدى الساكنة بأن مدينتهم تستحق الأفضل.
سيدي قاسم ليست مدينة ميؤوسًا منها، لكنها مدينة مخذولة.. مخذولة من طرف من ادّعوا تمثيلها، ولم يفعلوا سوى خذلانها. والمطلوب اليوم، قبل الغد، أن تتجدد النخب وتُسترجع الكرامة، وتُستعاد الثقة بأن المدينة يمكن أن تنهض من جديد إذا ما وُجدت إرادة حقيقية وقيادة صادقة.
تعليقات الزوار