هبة زووم – بنسليمان
تحولت عملية تنظيف روتينية لحفرة تقليدية للصرف الصحي إلى كارثة إنسانية مروعة، صباح اليوم الجمعة، بدوار أولاد عيسى، التابع لجماعة مليلة بإقليم بنسليمان، بعدما لفظ ثلاثة إخوة أنفاسهم الأخيرة تباعًا داخل الحفرة نفسها، في واقعة مأساوية هزّت المنطقة وأعادت إلى الواجهة النقاش حول غياب شروط السلامة في مثل هذه الأشغال الخطيرة.
وبحسب روايات متطابقة من ساكنة الدوار، فقد بدأ الإخوة الثلاثة – كريم، بوعزة، والمحجوب – أعمال تنظيف حفرة تقليدية للصرف الصحي (ميكة) متصلة بمرحاض منزل العائلة، في خطوة كانوا يكررونها بشكل دوري.
غير أن الروتين المعتاد سرعان ما تحول إلى مأساة، بعد أن نزل أحدهم أولًا إلى عمق الحفرة فأغمي عليه في الحين، يُرجح أنه بفعل الغازات السامة المتراكمة في القاع.
وفي محاولة يائسة للإنقاذ، نزل الشقيق الثاني على عجل لإنقاذ أخيه، قبل أن يلحق به الثالث بعد أن تبين لهما أن الأمور خرجت عن السيطرة… لكن النهاية كانت واحدة: موت جماعي اختناقًا، أو ربما دفنًا حيًّا تحت الأتربة.
وبينما تشير الرواية الأكثر تداولًا إلى أن الوفاة كانت نتيجة الاختناق بالغازات السامة، ذهب شهود عيان إلى فرضية ثانية أكثر مأساوية، تتعلق بانهيار جوانب الحفرة الطينية فوق الإخوة الثلاثة دفعة واحدة، مرجّحين أن طبيعة الأرض الهشة وغياب أي تدعيم أو حماية أثناء الأشغال كانت السبب المباشر في الفاجعة.
وسجل بعض الحاضرين، في تصريحات متفرقة، أن مثل هذه الحفر، التي تُعتمد في المناطق القروية كحل بديل لغياب قنوات الصرف الصحي، غالبًا ما تتحول إلى “قنابل موقوتة” في ظل تجاهل تام لشروط السلامة أو المعايير التقنية.
وفور إشعارها بالحادث، انتقلت عناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والسلطات المحلية إلى مكان الواقعة، حيث تم انتشال جثث الضحايا الثلاثة، ونقلها إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي ببنسليمان.
كما فتحت المصالح الأمنية تحقيقًا عاجلًا تحت إشراف النيابة العامة لتحديد الأسباب الحقيقية للوفاة، وما إذا كانت مرتبطة باختناق أو بانهيار ترابي.
وفيما ينتظر الرأي العام المحلي نتائج الخبرة الميدانية، خيم حزن عميق على دوار أولاد عيسى، الذي ودّع ثلاثة من أبنائه في فاجعة غير مسبوقة، خصوصًا وأنهم كانوا معروفين بسمعتهم الطيبة وعلاقاتهم الحسنة مع الجميع، فضلاً عن كونهم آباء يعيلون أسرًا وأطفالًا، مما زاد من وقع المأساة على الساكنة.
حادث دوار أولاد عيسى ليس الأول من نوعه، إذ سبق أن شهدت قرى ومناطق قروية مماثلة حوادث مماثلة مرتبطة بغياب شبكات صرف صحي حديثة واعتماد “الميكة” كوسيلة بدائية، ما يطرح مجددًا سؤالًا ملحًّا: إلى متى ستبقى حياة المواطنين في المناطق المهمشة رهينة لحلول ترقيعية؟
ويطالب عدد من النشطاء والمواطنين بضرورة تدخل عاجل من طرف وزارة التجهيز والماء، ووزارة الداخلية، لوضع برنامج وطني لاستبدال الحفر التقليدية بشبكات صرف صحي آمنة، تفاديًا لحوادث مشابهة تُزهق الأرواح وتترك وراءها جراحًا لا تندمل.
تعليقات الزوار