الحسيمة.. حين تتحول الأرصفة والحدائق إلى ملكية خاصة تحت أعين السلطات

محفوظ الواليدي – الحسيمة
تشهد مدينة الحسيمة في الآونة الأخيرة تفشيًا مقلقًا لظاهرة احتلال الملك العمومي، حيث تحوّلت الأرصفة والممرات والساحات إلى فضاءات محتلة بشكل عشوائي من قبل الباعة الجائلين، وكراسي المقاهي والمطاعم، وحراس السيارات العشوائيين، ما خلق حالة من الفوضى الحضرية وطرح تساؤلات حقيقية حول فعالية التدبير المحلي واحترام القانون.
في قلب المدينة وساحاتها المركزية، لم يعد المواطن قادرا على التنقل بحرية على الرصيف، بعدما أصبح حقه الطبيعي في فضاء عمومي منظم ومتاح للجميع رهينة لعربات عشوائية، أو مقاعد مقاهٍ تمتد على طول الأرصفة، في تجاوز واضح لحدود التراخيص القانونية. وبمقابل صمت مريب للسلطات، يتعمق هذا الاختلال الحضري يوما بعد يوم.
ورغم شكاوى السكان والتجار النظاميين الذين تضرروا من هذا الوضع، فإن التدخلات الرسمية لا تزال محتشمة أو تفتقر إلى الاستمرارية والصرامة. ويُرجع بعض الفاعلين هذا التساهل إلى البُعد الاجتماعي للظاهرة، بالنظر إلى أن كثيرًا من الباعة الجائلين ينتمون إلى فئات تعاني من البطالة والفقر.
لكن هذا التبرير، رغم وجاهته، لا يعفي المسؤولين من إيجاد حلول مبتكرة ومتوازنة. فالتساهل المزمن مع احتلال الملك العام يكرّس اللاعدالة ويُضعف هيبة القانون، ويؤسس لفوضى يصعب احتواؤها لاحقًا، كما أنه يهدد العيش المشترك في المدينة.
المقلق أكثر أن بعض الحدائق والمساحات الخضراء، التي يُفترض أن تكون متنفسًا بيئيًا للساكنة، لم تسلم هي الأخرى من التعدي، حيث تحولت تدريجيا إلى مواقف للسيارات تُستغل بشكل غير قانوني، ما أفقدها وظيفتها الأصلية وأضر بجمالية المدينة.
هذا التعدي البيئي على الملك العام، في ظل غياب أي تأطير حضري واضح أو حماية قانونية فعالة، يشير إلى اختلال عميق في سياسات التخطيط والتدبير الحضري بمدينة الحسيمة.
وفي مظهر آخر للفوضى، تنتشر مهنة “حارس السيارات” بشكل غير قانوني، حيث يفرض العديد من الأشخاص “إتاوات” على السائقين دون سند تنظيمي أو رقابي.
ويشتكي المواطنون من أن بعض هؤلاء يمارسون نوعًا من الترهيب أو الابتزاز الخفي، في ظل فراغ قانوني يسمح باستمرار الظاهرة دون حسيب أو رقيب.
ورغم الدعوات المتكررة لتقنين هذا القطاع وتنظيمه عبر إطار قانوني واضح يحدد المهام والمسؤوليات، لا يزال الملف يراوح مكانه، ما يجعل الملك العام في مرمى الاستغلال العشوائي والفوضوي.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المتتبعين أن الحل لا يكمن في المقاربة الزجرية فقط، بل يتطلب تبني مقاربة شمولية تشاركية، تقوم على إحداث فضاءات مخصصة للباعة الجائلين تستجيب للمعايير التنظيمية والصحية، تخصيص رخص مؤقتة من طرف الجماعة، تربط النشاط بشروط قانونية، تقنين مهنة “حارس السيارات” من خلال دفتر تحملات ورقابة جماعية، حماية الحدائق والمجالات البيئية بقوانين محلية واضحة، إعمال القانون بشكل متساوٍ لضمان المساواة بين التجار النظاميين وغير النظاميين، مع إطلاق حملات تحسيسية لتعزيز ثقافة احترام الملك العام.
فالملك العام ليس ملكًا لفئة دون أخرى، بل هو رأسمال جماعي يجب الحفاظ عليه. وإذا ما استمرت السلطات في التساهل مع الفوضى، فإن الحسيمة، التي تتطلع إلى أن تكون مدينة سياحية وبيئية جذابة، ستجد نفسها في مواجهة نزيف عمراني وسلوكي لا يخدم لا الساكنة ولا صورة المدينة.
الساكنة اليوم لا تطالب بزجر الفقراء ولا إقصاء المهمشين، بل تطالب بعدالة تنظيمية تحفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، وتعيد الاعتبار إلى المدينة وفضائها العام كمجال مشترك، منظم، يحترم الجميع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد