ابتسام الحالي – الحسيمة
بينما تتجه الأنظار إلى مدينة الحسيمة باعتبارها إحدى أبرز الوجهات السياحية الصيفية في شمال المملكة، تعيش المدينة مفارقة صادمة: تدهور حاد في جودة خدمات الإنترنت المحمول، وسط صمت مطبق من شركة “اتصالات المغرب”، التي يُفترض أنها المعني الأول بضمان ربط المواطنين وزوار المدينة بشبكة اتصالية تليق بعصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
منذ بداية فصل الصيف، تزايدت حدة الشكايات من قبل سكان المدينة ومرتاديها بشأن الضعف الشديد في صبيب الإنترنت، خاصة خدمة الـ4G، التي تحولت إلى مجرد شعار تجاري لا علاقة له بما يجري فعليًا على الأرض.
مواطنون، مقاولون ذاتيون، تجار، وسياح… جميعهم اصطدموا بعجز الشبكة عن مواكبة أبسط المتطلبات اليومية، من تحميل بريد إلكتروني إلى تشغيل خريطة تنقل.
رغم هذه الشكاوى المتكررة عبر مختلف الوسائط، لم يصدر عن “اتصالات المغرب” أي توضيح أو تفاعل رسمي، ما أثار استياءً واسعًا، واعتُبر استخفافًا بحق المواطن في خدمة اتصالية لائقة، وهو الحق الذي لم يعد كماليات في زمن الحكومة الرقمية والمجتمع المتصل.
الأزمة تجاوزت حدود الانزعاج الشخصي، لتطال مختلف مناحي الحياة المهنية والخدمية بالمدينة. فقد عانى العاملون في المهن الحرة المرتبطة بالأنترنت، كالمصممين والمسوقين الرقميين والمهنيين السياحيين، من تعطل أعمالهم. كما تأثرت مصالح المواطنين في الإدارات العمومية والبنكية التي ترتكز خدماتها بشكل كبير على الربط الشبكي.
وفي هذا السياق، عبّر العديد من الفاعلين المحليين عن تذمرهم من غياب أي خطة استباقية لدى الشركة المعنية، خاصة وأن ضغط الزوار في الموسم الصيفي معروف ومتكرر، وكان يتطلب توسيعًا للشبكة وتقوية البنية التحتية لتفادي مثل هذا الانهيار في الخدمة.
ما يحدث في الحسيمة اليوم، يعيد طرح سؤال “الهامش الرقمي”، الذي لا يزال يطارد عددا من المدن والمناطق، رغم شعارات الدولة حول العدالة المجالية ورقمنة الإدارة.
فهل يعقل أن مدينة بحجم الحسيمة، بكل رمزيتها التاريخية والاستراتيجية، تعاني من غياب الحد الأدنى من خدمات الاتصال الحديثة في 2025؟
ويتساءل السكان: هل المشكلة في ضعف بنيوي داخل البنية التحتية للشبكة؟ أم أن الأمر يتعلق بسوء تدبير موسمي؟ وهل ستظل الحسيمة تعامل من طرف شركات الاتصال كمنطقة ثانوية، لا تستحق الاستعداد التقني المسبق؟
أمام هذا الوضع، ترتفع الأصوات مطالِبة بتدخل عامل إقليم الحسيمة بشكل فوري وحازم، للضغط على الجهات المعنية، خصوصًا شركة “اتصالات المغرب”، من أجل وضع حد لهذا العبث الرقمي، وتذكير الشركة بالتزاماتها تجاه مستهلكين يدفعون مقابل خدمة شبه غائبة.
كما يُنتظر من السلطات المعنية، خصوصًا الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، أن تقوم بدورها الرقابي والتأديبي تجاه شركات الاتصال، لأن ما يحدث ليس خللًا تقنيًا معزولًا، بل مؤشر على خلل في تدبير البنيات الرقمية في المغرب خارج محور الرباط-الدار البيضاء.
ما تعيشه الحسيمة اليوم ليس مجرد انزعاج موسمي، بل عنوان لفشل متراكم في توفير أبسط شروط المساواة الرقمية. وفي بلد يراهن على الرقمنة كرافعة تنموية، لا يمكن القبول بأن تظل مناطق بكاملها رهينة صبيب هشّ وخدمة مهترئة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: متى تصبح جودة الإنترنت قضية مواطنة وكرامة وحق من الحقوق الأساسية؟ ومتى تتوقف شركات الاتصال عن ممارسة ما يشبه الاحتكار المزمن دون محاسبة حقيقية؟
تعليقات الزوار