المحكمة الدستورية تُسقط مقتضيات جوهرية بقانون المسطرة المدنية وتُحرج حكومة أخنوش

هبة زووم – الرباط
في قرار غير مسبوق يحمل أبعادًا دستورية وسياسية عميقة، أسقطت المحكمة الدستورية عدداً من المقتضيات الأساسية الواردة في مشروع القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، معتبرة إياها مخالفة لمقتضيات الدستور، مما يضع حكومة عزيز أخنوش في موقف لا تُحسد عليه، ويعيد النقاش حول احترام مبدأ فصل السلط وضمانات المحاكمة العادلة.
القرار الصادر عقب الإحالة التي قام بها رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 يوليوز 2025، كشف عن اختلالات بنيوية في صياغة النص، وتضمّنه مواد تمسُّ بجوهر الضمانات القضائية المكفولة دستورياً، لاسيما في ما يتعلق بحق الدفاع واستقلال السلطة القضائية.
خروقات تمس الأمن القانوني وحقوق الدفاع
أبرز ما تضمنه القرار هو إسقاط الفقرة الأولى من المادة 17، التي منحت النيابة العامة صلاحية طلب إبطال أحكام قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به بدعوى مخالفتها للنظام العام، وهي سابقة تشريعية خطيرة، بحسب فقهاء القانون، لأنها تهدم مبدأ استقرار الأحكام.
كما ألغت المحكمة مقطعاً من المادة 84 يتعلق بتبليغ الاستدعاءات، بسبب افتقاره للضوابط الموضوعية، وكونه يفتح باب الشك والتخمين، مما يتعارض مع الأمن القانوني وحق المتقاضي في الإعلام الواضح والمؤكد.
منع التعقيب على المفوض الملكي: قيد غير مبرر
وصفت المحكمة الفقرتين الأخيرتين من المادتين 107 و364، اللتين تمنعان الأطراف من التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي، بـ”القيد غير المبرر على حق الدفاع”، معتبرة أن هذه المقتضيات تُفرغ المحاكمة من طابعها التفاعلي، وتمسّ بحقوق المتقاضين.
محاولات حكومية للتحكم في القضاء!
واحدة من النقاط الأكثر إثارة في قرار المحكمة كانت إسقاط المادتين 624 و628، اللتين خولتا للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل تدبير النظام المعلوماتي لتوزيع القضايا وتعيين القضاة.
واعتبرت المحكمة هذا خرقًا سافرًا لمبدأ فصل السلط ومساسًا مباشرًا باستقلال القضاء، وهو ما يُعد مؤشرا مقلقاً على نزوع نحو التحكم في آليات اشتغال العدالة من داخل السلطة التنفيذية.
وزير العدل.. وتجاوز الصلاحيات
في ضربة أخرى موجهة إلى الحكومة، قضت المحكمة بعدم دستورية الفقرتين الأولى من المادتين 408 و410، اللتين منحتا وزير العدل صلاحية تقديم طلبات الإحالة، وهو ما يخالف، حسب المحكمة، مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.
خطأ مادي أم خلل منهجي؟
ولم تَسلم الصياغة التقنية للقانون من انتقاد المحكمة، حيث سجلت “خطأ مادياً” خطيراً يتمثل في إحالة المادة 288 على المادة 284 بدل المادة 285، ما اعتبرته خرقًا لمبدأ وضوح القاعدة القانونية وقرينة حسن الإعداد التشريعي.
غياب التعليل: خلل في فلسفة التشريع
وانتقدت المحكمة كذلك الفقرة الثانية من المادة 339، التي ألزمت بتعليل قرارات رفض طلب التجريح فقط، معتبرة أن الدستور يفرض تعليل جميع القرارات القضائية بلا استثناء، ضمانًا للشفافية وحق المتقاضين في الفهم والطعن.
الرسائل الثلاث التي وجهها القرار
للحكومة: أن هندسة النصوص القانونية لا يمكن أن تُفصل خارج المبادئ الدستورية، وأن منطق السلطة العمودية لم يعد مقبولًا في دولة الحق والقانون.
للمشرع: أن الرقابة القضائية ليست شكلية، بل ضامن أساسي لاحترام التوازنات المؤسساتية.
للمجتمع: أن هناك مؤسسات دستورية لا تزال تؤدي دورها الرقابي الحاسم، رغم محاولات الضغط السياسي والتضييق المؤسساتي.
وبموجب القرار، أُمر بتبليغه إلى رئيس الحكومة، ورئيسي مجلسي البرلمان، مع نشره في الجريدة الرسمية، ليصبح ملزمًا ونافذًا، وتُسقط بموجبه كل المواد التي رُفضت دستوريتها.
ويبقى السؤال الآن: هل ستتلقف حكومة أخنوش هذا التنبيه القضائي بكامل الجدية وتعيد النظر في منهجية إعداد القوانين؟ أم ستواصل الدفع بتشريعات مفرغة من العمق الدستوري، تجهز على ما تبقى من الثقة في دولة المؤسسات؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد