فاطمة أوحسين – الحسيمة
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الفضاءات العمومية منارات مفتوحة أمام كل الفاعلين الثقافيين، تحوّلت بعض المراكز إلى جزر مغلقة، يُمنع الدخول إليها إلا بإذنٍ من “الجمعية المالكة بالمفترض”، تلك التي حوّلت حق التوطين إلى وسيلة استحواذٍ شبه دائم على المرفق العمومي.
في مدينة الحسيمة، كما في مدن أخرى، تتكرر الصورة نفسها: قاعات خُصصت في الأصل لخدمة الحركة الثقافية والفنية، أصبحت محجوزة لجمعيات استفادت من برامج “التوطين الثقافي”، ثم تعاملت معها كملكية خاصة، لا يحق لغيرها الاستفادة منها إلا نادرًا، وربما بمكرمة رمزية.
المفارقة أن هذه القاعات، رغم احتكارها، تظل فارغة معظم الوقت، وكأنها شاهدة صامتة على عبث السياسات الثقافية وغياب الرقابة على المال العمومي.
فالعديد من الفرق المسرحية المحلية تُحرم من فضاءات للتدريب والعرض، ويجد الفنانون أنفسهم مضطرين لتقليص إنتاجاتهم أو اللجوء إلى حلول بديلة، فقط لأن باب المركز “مُغلق بتوطين”.
التوطين، في الأصل، كان فكرة نبيلة تهدف إلى خلق دينامية داخل المراكز الثقافية، وتوفير استقرارٍ إداريٍ وفنيٍ للجمعيات المنتجة. لكن الممارسة الميدانية شوّهت الفكرة، إذ تحوّل التوطين إلى احتكار، والانفتاح إلى إقصاء، والمرفق العمومي إلى امتيازٍ شخصيٍّ محروسٍ بعلاقات الزبونية والمحاباة.
والأخطر من ذلك أن بعض الجمعيات التي تستحوذ على هذه الفضاءات تُموَّل من المال العام، دون أن تقدم مردودية ثقافية حقيقية أو تتقاسم مواردها مع بقية الفاعلين. إنها ظاهرة تكشف عن وجه آخر للفساد الثقافي، حيث يُستنزف الدعم العمومي باسم “التنمية الثقافية”، بينما الحقيقة أن التنمية تُقتل في مهدها.
إن العدالة الثقافية لا تتحقق بالشعارات ولا بالصور التذكارية في المهرجانات، بل بتكافؤ الفرص في الوصول إلى الفضاء العام، وبترسيخ مبدأ أن الثقافة حقّ جماعي لا امتيازٌ فئوي.
فالفضاءات العمومية ليست إرثًا يُورّث ولا غنيمة تُوزع، بل ملكٌ مشترك يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الجميع، دون حواجز رمزية أو مفاتيح خاصة.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم “التوطين الثقافي”، ووضع آليات واضحة للمراقبة والمحاسبة، حتى لا يتحوّل الدعم العمومي إلى باب خلفي لتغذية الأنانية الجمعوية والفساد الرمزي. فالثقافة، في نهاية المطاف، لا تزدهر إلا في الهواء الطلق، لا داخل قاعات مغلقة تحرسها المصالح.
تعليقات الزوار