من مستشفى مغلق إلى ترامواي مفتوح: ولادة مأساوية تُدين وزارة الصحة

هبة زووم – الرباط
لم تنتظر وزارة الصحة كثيراً قبل أن تخرج إلى السطح بفضيحة جديدة تُعمّق صورة قطاع مترنّح تغرقه الصفقات المشبوهة، وتهدّه أعطاب الحكامة، وتطارده أسئلة الأخلاق المهنية قبل أسئلة المال العام.
فبعد أسبوع ثقيل طفا خلاله غضبٌ عارم حول ما وُصف بـ”قوالب الوزراء” تحت شعار عطيني ونعطيك، جاءت مأساة الأربعاء 19 نونبر 2025 لتكشف مستوى الدمار الحقيقي داخل المنظومة الصحية: رضيع يُولد ويموت داخل “ترامواي” الرباط–سلا، فقط لأن مستشفى عمومياً رفض استقبال أم في حالة ولادة!
وفي التفاصيل، وحسب السؤال الكتابي العاجل الذي وجّهه البرلماني عبد الله بوانو لوزير الصحة، فإن السيدة الحامل قصدت مستشفى مولاي عبد الله بسلا في الرابعة مساءً للتوليد، لكن الصدمة كانت أكبر من أن تُستوعب: رفض استقبالها لأن “وقت عمل الطبيبة انتهى”!
مستشفى عمومي بحجم مولاي عبد الله، يخدم مدينة يتجاوز عدد سكانها المليون، يعتمد طبيبة واحدة فقط في تخصص النساء والتوليد، ودون أي نظام للحراسة الليلية أو خارج أوقات الدوام، أي منطق إداري هذا؟ وأي فلسفة صحية تدبّر أرواح الناس بهذا القدر من اللامبالاة؟
الأدهى أن مجموع الطبيبات في سلا في هذا التخصص لا يتجاوز ستّ طبيبات. رقم يكشف أن الخصاص لم يعد مجرد “خلل”، بل مؤشر انهيار بنيوي في أهم القطاعات المرتبطة بالحياة.
بعد طردها من المستشفى، اضطرت الأم إلى الانتقال نحو الرباط عبر “الترامواي”، لكن المخاض لم ينتظر. وضعت الأم مولودها وسط الركاب، في مشهد مؤلم يؤكد أن المواطن المغربي لم يعد يجد حقّه في العلاج إلا صدفةً أو قدراً.
شهود عيان أكدوا أن ركاباً سارعوا لطلب الإسعاف، لينقل الطاقم الطبي الأم ورضيعها إلى مستشفى الولادة السويسي. لكن الوقت كان قد فات: الطفل فارق الحياة بعد وقت قصير من وصوله.
لم يمت فقط بسبب مضاعفات الولادة، مات لأنه وُلد في منظومة صحية لا تتوفر على الحدّ الأدنى من الكرامة الوظيفية، ولا تحترم أبسط حقوق البشر.
تفاعل الرأي العام كان عارماً، حيث امتلأت مواقع التواصل بمحاكمات أخلاقية ومهنية لمسؤولين لم يتعلموا بعد أن “الساعة الإدارية” لا يمكن أن تُعلّق عليها حياة أم ورضيع.
البرلماني بوانو طالب الوزير بفتح تحقيق وتحديد المسؤوليات: لماذا رفض المستشفى استقبال الأم؟ من سمح باستمرار العمل بطبيبة واحدة فقط؟ كيف يمكن لمدينة كبرى أن تفتقر إلى نظام مداومة في تخصص حساس كهذا؟ وأين ذهبت وعود الوزارة حول “إصلاح المنظومة” و”تجويد الخدمات” و”تقريب العلاج من المواطنين”؟
أسئلة كثيرة.. لكن الإجابة الوحيدة التي يلمسها المواطن كل يوم هي: فشلٌ إداري مزمن، ونزيف موارد بشرية لا ينتهي، ووزارة تتلقى الفضائح أسرع مما تعلن الإصلاحات.
الصدمة التي فجّرتها هذه الحادثة لا تخصّ سلا وحدها، بل تكشف واقعاً مكرراً في مدن أخرى: مستشفيات بلا أطباء، أقسام توليد بلا حراسة، ونساء يُجبرن على التنقل بين المدن وهن في حالة ولادة، لأن “الدوام انتهى”، وكيف يمكن لبلد يرفع شعار التنمية الاجتماعية أن يعجز عن توفير مداومة طبية في تخصص يُعدّ من أساسيات المرفق العام؟
وفاة رضيع داخل ترامواي ليست حادثاً عابراً. إنها جرس إنذار صارخ يعلن أن الخلل لم يعد في التفاصيل، بل في صلب السياسات الصحية.
وإذا كانت الوزارة قد غرقت، خلال الأسابيع الماضية، في دوامة فضائح الصفقات والتلاعبات، فإن هذه الفاجعة تضعها مباشرة أمام امتحان الضمير قبل امتحان القانون.
على وزارة الصحة أن تدرك أن حياة المواطنين ليست هامشاً إدارياً، وأن المغرب لا يمكن أن يستمر في دفن ضحايا الخصاص وتبرير الكوارث بـ”الظروف” و”التقنيات” و”الصدف”، فالرضيع الذي مات فوق سكة الترام، مات لأن المسؤولية ماتت قبله بسنوات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد