هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في الرشيدية، لا تُوزَّع الأزمات بالعدل، ولا تصيب الجميع بالقدر نفسه. إنها أزمة انتقائية بامتياز؛ تنهك المواطن البسيط حتى العظم، بينما تتحول بالنسبة للمرتَشين، وسماسرة الصفقات، وساسة “آخر الزمن” إلى فرصة ذهبية لمسار تصاعدي من الرفاه والثراء.
هنا، داخل المدينة نفسها، يتعايش مغربان: مغرب يئن تحت ثقل الغلاء، ومغرب آخر مُترف، يعيش على إيقاع الفيلات الفاخرة، والمشاريع التي تبتلع الميزانيات دون أي أثر تنموي، والسفريات الممولة من جيوب مواطن يتساءل كل صباح إن كان قادراً على اقتناء قنينة زيت دون أن يقتطع جزءاً من كرامته.
في الرشيدية، لم تعد السياسة شأناً عاماً يُدبَّر، بل صارت مسلسلاً طويلاً متعدد المواسم، تتغير فيه الوجوه وتُستبدل الشعارات، بينما يظل السيناريو واحداً لا يتبدل.
مع كل استحقاق انتخابي، تطفو إلى السطح أسماء جديدة ووعود براقة، أكثر إغراءً من عروض “الجمعة السوداء”، لكن عند لحظة الحقيقة لا يجد المواطن سوى الجملة الشهيرة: “المشروع قيد الإنجاز”.
هكذا تمر الحكومات، وتتآكل الآمال، ويظل المواطن مشدوداً إلى شاشة الواقع، يتابع فصول العبث بين السخرية والمرارة، منتظراً حلقة أخيرة لا تأتي أبداً.
وحين يسمع المواطن في الرشيدية كلمة «أزمة»، لا يحتاج إلى شرح أو تحليل، فالأزمة تعني تلقائياً ارتفاعاً جديداً في الأسعار، وضغطاً إضافياً على القدرة الشرائية، وجرعات متواصلة من خطابات “شدّ الحزام”، إلى درجة يكاد معها هذا الحزام يختفي من شدة التقشف، غير أن المفارقة الصارخة تكمن في وجود فئة لا تعرف معنى الأزمة، بل تزدهر كلما اشتد الخناق على الناس.
هؤلاء، من كبار المستفيدين من اقتصاد الريع، ومحترفي الصفقات المشبوهة، والسياسيين الذين احترفوا العيش على هامش القانون والأخلاق، لا يضيعون فرصة واحدة.
بينما يقضي المواطن يومه في البحث عن الأرخص: زيت أقل جودة، دجاجة أقل وزناً، أو فاتورة مؤجلة الدفع، يواصل هؤلاء مضاعفة ثرواتهم عبر مشاريع لا تكتمل، وبرامج لا تُقيَّم، وامتيازات لا تُساءَل، إنهم يعيشون فوق السحاب، بعيداً عن تقلبات السوق، محصنين ضد كل ما يُسمّى أزمة.
أما رجال السياسة، خصوصاً من فئة «آخر الزمن»، فقد أتقنوا فن تحويل الأزمات إلى فرص شخصية. كل ارتفاع في الأسعار مناسبة لتوسيع النفوذ، وكل احتجاج اجتماعي فرصة لعقد صفقات في الكواليس، وكل حديث عن الإصلاح مجرد دخان كثيف لإرباك الرأي العام.
والأكثر فجاجة في المشهد أنهم لا يشعرون بأي حرج؛ يخبرون المواطنين بأن «الأزمة عالمية»، ثم يظهرون في أحدث السيارات، يسافرون في الدرجة الأولى، ويتباهون بثروات تتضخم بوتيرة أسرع من أسعار المحروقات.
لقد أصبح المواطن في الرشيدية خبيراً في قراءة هذه المسرحية المكرورة. يعرف الأدوار، ويحفظ الحوارات، ويدرك أن النهاية دائماً واحدة. لكنه، رغم هذا الوعي، يظل المتفرج الوحيد الذي يدفع ثمن التذكرة من قوته اليومي، بينما تُوزَّع الأرباح بسخاء خلف الستار.
مأساة الرشيدية ليست في الفقر وحده، بل في ابتلائها بنخبة سياسية من «آخر الزمن»، لم تعد ترى في المدينة سوى غنيمة، ولا في المواطن سوى رقم قابل للاستهلاك.
وما لم تتغير قواعد اللعبة، سيظل السؤال معلقاً: إلى متى ستُدار الأزمات لصالح القلة، ويُطلب من الأغلبية أن تصبر، وتصفق، وتدفع الثمن؟
تعليقات الزوار