حين تتحول الصحافة الرياضية إلى ملحق ولاءات: من يحمي المهنة من “فراقشية” الرياضة؟

هبة زووم – الرباط
لا خلاف على أن من حق المغاربة أن يفرحوا بفوز منتخبهم، وأن يحتفوا بإنجازات شبابهم في الملاعب القارية والدولية. لكن الفرح، مهما كان مشروعًا، لا ينبغي أن يُعطِّل الوعي، ولا أن يتحول إلى ستار يحجب الأسئلة الجوهرية. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس من فاز في المباراة، بل: متى تتحول الرياضة في المغرب من مرآة للمناسبات العابرة إلى مرآة للضمير العام؟
إن الثقة لا تُبنى بالبلاغات ولا تُستعاد بالصخب الإعلامي، بل باستقلال المؤسسات، وبخضوعها للقانون، وبإرساء تنظيم ذاتي حقيقي لا يتحول إلى أداة انتقائية لمعاقبة الصحفيين بدل حماية المهنة. وما تفجّر مؤخرًا بخصوص فضيحة توزيع اعتمادات تغطية مباريات كأس إفريقيا ليس حادثًا معزولًا ولا سقطة إدارية عابرة، بل عرضًا واضحًا لمرض أعمق.
فالامتحان الحقيقي يبدأ الآن: إما فتح تحقيقات شفافة ومسؤولة، تُحدد المسؤوليات وتُعيد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص،
وإما طيّ الملف بقرارات شكلية، وفي هذه الحالة لن تكون الخسارة رياضية فقط، بل مهنية ومجتمعية ومؤسساتية، لأن الدولة التي تُفرّغ الحقيقة من معناها، تُراكم عجزًا صامتًا أخطر من أي هزيمة في الملعب.
اللحظة الراهنة هي لحظة وضوح وحسم، لا مكان فيها للمراوغات ولا للالتفاف. فالمصلحة العامة أسمى من الأشخاص، وحماية الحقيقة أولى من معاقبة من يحملها. والمغرب الذي يريد أن يكبر، لا يمكنه أن يسمح بوأد الوقائع في مهدها، ولا بأن ينتصر الصخب بينما يُهزم المعنى.
إن ما يجري داخل جامعة فوزي لقجع لا يعكس، في جوهره، أزمة موارد أو إمكانيات، بقدر ما يكشف أزمة قيادة بنيوية في تدبير الشأن الرياضي. فالمشكلة لم تكن يومًا في “من يشغل المناصب”، بل في كيف تُدار السلطة داخل المؤسسات العمومية. وحين تُقدَّم الولاءات على الكفاءات، وتُختزل الثقة في العلاقات الشخصية، تصبح النتيجة حتمية: مؤسسات مشلولة، وفعل عمومي عاجز عن الاستمرار بعد الأشخاص.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار ما يُوصف بـ”فراقشية الرياضة” في مواقع القرار لا يُعد حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا صارخًا على خلل هيكلي في طريقة اشتغال الجامعة. إنه تجسيد لنهجٍ اختار السيطرة بدل البناء، والولاء بدل الاستحقاق، فصارت المؤسسة التي يُفترض أن تحتضن التعدد والاحتراف والتنوير، تُدار بمنطق الحسابات الضيقة والقرابات الإدارية.
وما لم يتم القطع مع هذا المنطق، واستبداله بآخر قائم على الشفافية والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ستظل جامعة لقجع عنوانًا لفشل مؤسساتي أوسع، ومرآة لوضع تختنق فيه الكفاءة، وتتراجع فيه الصحافة الرياضية من سلطة نقد إلى تابع صامت داخل مشهد يُدار خارج قواعد النزاهة والمهنية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد