مجلس جهة بني ملال-خنيفرة: اتفاقيات بالجملة وحكامة بالتقسيط وأسئلة مؤجلة حول الجدوى والتنزيل

هبة زووم – بني ملال
صادق مجلس جهة بني ملال-خنيفرة، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة، يوم أمس الاثنين 22 دجنبر الجاري، على حزمة واسعة من اتفاقيات الشراكة والبرامج التنموية التي شملت قطاعات حيوية، من الماء والبنية التحتية، إلى الاستثمار والفلاحة والرياضة.
مصادقات قُدمت في خطاب رسمي باعتبارها خطوة متقدمة في مسار التنمية الجهوية، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً مشروعاً حول جدوى الاختيارات، وآليات التنزيل، ومآل المشاريع المصادق عليها.
الدورة، التي ترأسها عادل البراكات رئيس مجلس الجهة، بحضور والي الجهة محمد بنرباك وعدد من عمال الأقاليم والمسؤولين الترابيين، اتسمت بإجماع كامل على جميع النقط المدرجة في جدول الأعمال، وهو إجماع يطرح في حد ذاته علامة استفهام حول غياب النقاش العمومي الحقيقي داخل المؤسسة المنتخبة، في جهة تعاني من اختلالات بنيوية عميقة وتفاوتات مجالية صارخة.
الماء.. أولوية حقيقية أم تكرار للوعود؟
في مقدمة المصادقات، برز ملف الأمن المائي عبر اتفاقيات لإنجاز سدود صغيرة وبحيرات تلية، وملحقات لتوسيع مشاريع التزود بالماء الصالح للشرب بالعالم القروي.
ورغم أهمية هذه المشاريع في سياق إجهاد مائي غير مسبوق، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: لماذا ما زالت الدواوير والمراكز القروية تعاني العطش، رغم مرور سنوات على إطلاق البرنامج الوطني 2020–2027؟ وهل تكمن الإشكالية في نقص التمويل، أم في ضعف التنسيق، أم في بطء التنفيذ الذي حول برامج استعجالية إلى أوراش مؤجلة؟
الاستثمار والاقتصاد.. الأرقام لا تكفي
مجال إنعاش الاقتصاد حظي بدوره بحيز وافر، من خلال المصادقة على إحداث سوق جملة جديد للخضر والفواكه، وتعديل دفاتر تحملات دعم الاستثمار، وتثمين قطب الصناعات الغذائية.
غير أن التجربة السابقة بالجهة أبانت أن المشكل لا يكمن في توقيع الاتفاقيات، بل في قدرتها على خلق فرص شغل حقيقية ومستدامة.
فكم من منصة صناعية أُعلن عنها، دون أن تُحدث الأثر الموعود؟ وكم من دعم وُجه للاستثمار، دون أن ينعكس على نسب البطالة المرتفعة، خاصة في أقاليم مثل أزيلال وخنيفرة؟
الرياضة.. بنية تحتية أم واجهة سياسية؟
في الشق الرياضي، صادق المجلس على اتفاقيات لتأهيل الملعب الشرفي ببني ملال، ودعم كرة القدم بالجهة، مع إعادة دراسة مشروع الملعب الكبير بخريبكة.
ورغم أهمية البنيات التحتية الرياضية، فإن التخوف القائم يتمثل في تحويل الرياضة إلى واجهة تلميع سياسي، في غياب رؤية شمولية لربط الاستثمار الرياضي بالتنمية الاجتماعية، وتأطير الشباب، ومحاربة الهدر المدرسي والانحراف.
إجماع بلا مساءلة
أخطر ما تكشفه هذه الدورة ليس كثرة المشاريع، بل سهولة تمريرها دون نقاش نقدي. فالإجماع المطلق داخل مجلس جهة يُفترض أن يكون فضاءً للاختلاف الديمقراطي، يطرح تساؤلات حول دور المنتخبين: هل هم شركاء في رسم السياسات الجهوية؟ أم مجرد مصادقين على قرارات جاهزة؟
بين الخطاب والواقع
لا يمكن فصل هذه المصادقات عن السياق العام الذي تعيشه جهة بني ملال–خنيفرة: فوارق مجالية، بطالة، هشاشة اجتماعية، بنية طرقية متآكلة، ومناطق قروية تعيش على هامش التنمية.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لهذه الدورة الاستثنائية لن يكون في محاضر الجلسات، بل في الميدان: متى تنطلق الأشغال فعلياً؟ من يراقب التنفيذ؟ كيف تُصرف الاعتمادات؟ وما هو الأثر المباشر على حياة المواطن؟
وفي الأخير، يمكن القول أن مصادقات مجلس جهة بني ملال–خنيفرة قد تشكل فرصة حقيقية لتصحيح المسار، لكنها قد تتحول أيضاً إلى حلقة جديدة في مسلسل الاتفاقيات غير المنجزة، إن لم تُرفق بحكامة صارمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك فعلي للساكنة والمجتمع المدني.
فالتنمية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على تغيير واقع الناس… وكل ما عدا ذلك، يبقى مجرد إعلان نوايا.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد