هبة زووم – الرباط
في تدوينة ساخرة لا تخلو من عمق سياسي ونقد مؤسساتي لاذع، فجّر الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي نقاشًا واسعًا حول الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع الكوارث الطبيعية، ومع عقول المغاربة، على حد سواء.
تدوينة جاءت تفاعلًا مع التوضيحات المثيرة للجدل التي قدمها وزير التجهيز والماء نزار البركة بشأن فاجعة فيضانات باب الشعبة بمدينة آسفي، حين اختار تحميل المسؤولية للسد.
الوزير، وخلال جلسة برلمانية، قال حرفيًا إن “السد لم يتمكن من أداء دوره، ما أدى إلى اجتياح الفيضانات وسط المدينة”، جملة بدت، في ظاهرها تقنية، لكنها في عمقها تنطوي على منطق مقلوب للمسؤولية، حيث يُزاح الإنسان من دائرة المحاسبة، وتُستدعى المنشآت الصمّاء لتؤدي دور المتهم البديل.
اليحياوي، بأسلوبه الساخر المعتاد، التقط المفارقة وساءلها بحدة: “هل يحتاج الأمر للجنة تحقيق تحدد المسؤوليات؟ أبدا… تحقق مع من؟ مع السد المقصر أم مع الطبيعة التي غضبت دون سابق إنذار؟ لا مسؤولية للبشر هنا… السد هو المسؤول”.
سخرية تكشف ما هو أخطر من مجرد تصريح عابر: ثقافة سياسية كاملة تُدار بمنطق تبرئة القرار العمومي، وإلقاء اللوم على العوامل التقنية والطبيعية، كلما وقعت فاجعة، وكلما سقط ضحايا، وكلما طُرح سؤال المحاسبة.
فحين يُقال إن “السد لم يؤد دوره”، فإن السؤال البديهي ليس تقريع السد، بل: من صمّمه؟ من راقب أشغاله؟ من صادق على معايير السلامة؟ من تابع قدرته الاستيعابية؟ ومن تجاهل التحذيرات المتكررة بشأن مخاطر الفيضانات؟
لكن، بدل فتح هذا النقاش، يتم القفز عليه، واختزال الكارثة في “تقاعس” منشأة مائية، وكأنها كائن حي يحتاج – كما كتب اليحياوي تهكمًا – إلى “دورة في التكوين المستمر، أو برنامج حكامة، أو سلسلة في أخلاقيات المهنة”.
إن ما وقع في آسفي ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من تطبيع غياب المحاسبة، حيث تتحول الكوارث إلى مناسبات لتسويق خطاب تقني فارغ، وتتحول المسؤولية السياسية إلى مفهوم هلامي يتبخر عند أول اختبار حقيقي.
فالدول التي تحترم مواطنيها لا تبحث عن “سد مقصر” لتبرير فشلها، بل تفتح تحقيقات مستقلة، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقر بأن الكارثة ليست فقط ما أنزلته السماء، بل ما أهملته الأرض ومن عليها.
وفي انتظار أن يُحاسَب البشر بدل الإسمنت، ستظل مثل هذه التصريحات وقودًا لسخرية مرة، لكنها أيضًا مرآة موجعة لخلل عميق في تدبير الشأن العام، حيث يغرق الناس، وتطفو الأعذار.
تعليقات الزوار