في غفلة من السلطات.. كيف تمدّد تجار المخدرات في بركان وصارت السعيدية فضاءً رخـوًا؟

هبة زووم – محمد أمين
لم يعد استهلاك المخدرات الصلبة بإقليم بركان، ومدينة السعيدية على وجه الخصوص، مجرد ظاهرة هامشية تُلصق تلقائيًا بالفقر أو الهشاشة الاجتماعية، كما يحلو لبعض الخطابات الكسولة أن تروّج.
ما تكشفه الوقائع خلال السنوات الأخيرة هو تحوّل مقلق في خريطة الإدمان، وانتقاله إلى دوائر جديدة، أكثر ثراءً، وأكثر نفوذًا، وأشد قدرة على التحصن من كل أشكال المساءلة.
نحن أمام مشهد مختلف تمامًا: أبناء الميسورين، وذوو الامتيازات، وأبناء اقتصاد الظل، حيث المال متوفر، والرقابة ضعيفة، والحدود بين المشروع والمشبوه شديدة السيولة.
في هذه الأوساط، لم يعد تعاطي الكوكايين أو غيره من المخدرات الصلبة فعلًا مستهجنًا أو محفوفًا بالمخاطر الاجتماعية، بل تحوّل، في بعض الدوائر، إلى ما يشبه “نمط عيش” مغطى بالصمت، ومحصن بالمال، ومُبرَّر بخطابات زائفة من قبيل “الترفيه” أو “تفريغ الضغط”.
الأخطر من الاستهلاك ذاته هو السياق الذي يجري فيه، فهذه المواد، التي يُفترض أن تكون نادرة المنال وشديدة المراقبة، تُباع بسرية، لكنها سرية يعرفها الجميع.
نقاط التوزيع ليست لغزًا، والمسالك ليست مجهولة، والأسماء والأماكن تتردد في الهمس العام دون أن تتحول إلى ملفات واضحة.
مطارات، فنادق فاخرة، مؤسسات سياحية مصنفة، وملاهِ ليلية، تحوّلت، في بعض المدن، إلى فضاءات رخوة يختلط فيها الترف بالإفلات، واللهو بانتهاك صريح للقانون.
السعيدية، التي كان يُراد لها أن تكون واجهة سياحية نظيفة، تجد نفسها اليوم في قلب هذا التناقض: مدينة تستقبل الزوار بشعارات الجذب والاستثمار، لكنها تعجز عن طمأنة ساكنتها بشأن سلامة محيطها الاجتماعي.
وحين تصبح المخدرات الصلبة جزءًا من المشهد غير المعلن، فإن السؤال لا يعود أخلاقيًا فقط، بل أمنيًا ومؤسساتيًا بامتياز.
في هذا السياق، يبرز خطاب “العلاج” و”إعادة الإدماج” كضرورة إنسانية لا نقاش حولها، لكنه يظل قاصرًا إذا عُزل عن جذور المشكلة. فانتشار مراكز علاج الإدمان، مهما كانت أهميتها، لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة توت تخفي العطب الأصلي، هذه المراكز تعالج النتائج، لا الأسباب، تُداوي الأفراد، لكنها لا تُفكك الشبكات، ولا تُجفف منابع الترويج، ولا تُعيد هيبة القانون إلى الفضاءات التي فقدها.
السكوت عن هذا الواقع، أو التعامل معه بمنطق الإنكار، لا يخدم إلا تجار السموم ومن يحتمون بهم، أما المقاربة الجدية، فتبدأ بالاعتراف بأن ما يجري في بركان والسعيدية ليس انحرافًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لتراكم اختلالات في المراقبة، وتراخٍ في الزجر، وغموض في حدود النفوذ.
فحين يصبح المال أقوى من الردع، والصمت أقوى من القانون، لا يعود السؤال: من يستهلك؟ بل من يحكم فعليًا هذا المجال؟ وأي كلفة اجتماعية وأمنية ستدفعها المنطقة إن استمر هذا التمدد دون مواجهة حقيقية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد