هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ليدق ناقوس الخطر، وهذه المرة من بوابة واحدة من أخطر الأزمات الصامتة التي تنخر مستقبل البلاد: نزيف العقول المغربية، وبالخصوص هجرة المهندسين نحو أوروبا وأمريكا، في مشهد يعكس فشلًا بنيويًا في السياسات العمومية المرتبطة بالشغل، والأجور، والبحث العلمي.
في تدوينة نارية، كشف اليحياوي أن حوالي 600 مهندس مغربي يغادرون البلاد سنويًا، ليس بدافع “حب الهجرة” أو “إغراء الخارج” فقط، بل بسبب قلة فرص الشغل، وتدني الأجور، والهشاشة المهنية التي تطارد المهندس المغربي منذ ولوجه سوق العمل.
أرقام صادمة، لكنها في نظر يحيى اليحياوي ليست مفاجئة، بقدر ما هي نتيجة طبيعية لمسار طويل من التهميش وانعدام الرؤية.
الأخطر في قراءة اليحياوي، ليس فقط تشخيص النزيف، بل السخرية المرة من طريقة تعاطي الحكومة معه، إذ يورد أن إحدى الوزيرات تعتزم “وقف هذا النزيف”، لا عبر إصلاح جذري لمنظومة الأجور، ولا عبر استثمار فعلي في البحث والتطوير، بل من خلال الإعلان عما تسميه “خارطة طريق الذكاء الاصطناعي”.
وهنا يضع اليحياوي الإصبع على الجرح، متسائلًا بسخرية لاذعة: خارطة طريق؟ وضربة واحدة؟ في وقتٍ تُخاض فيه معركة الذكاء الاصطناعي الحقيقية في ساحات أخرى تمامًا، بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، بينما أقرّ الاتحاد الأوروبي نفسه بعجزه عن مجاراة هذا السباق الكوني.
إنها حرب استراتيجية ستحدد – كما يقول اليحياوي – من سيتحكم في العالم خلال الخمسين سنة المقبلة، حرب تُضخ فيها مئات مليارات الدولارات، ليس في الشعارات ولا في العروض التقديمية، بل في البحث والتطوير، وعلى مدى زمني طويل، وبشراكات عميقة بين القطاعين المدني والعسكري.
أمام هذا الواقع، يبدو الخطاب الحكومي عن “خارطة طريق” وكأنه قفز فوق الهوة بدل ردمها، فكيف يمكن إقناع مهندس مغربي بالبقاء، في ظل أجور هزيلة، ومسارات مهنية مسدودة، وغياب بيئة بحثية حقيقية، فقط بوعود عن “جاذبية القطاع”؟
الوزيرة – بحسب ما نقل اليحياوي – تؤكد عزمها على “إقناع أدمغة المغرب بأن مستقبلهم المهني والاجتماعي مضمون داخل المملكة”.
كلمة واحدة كانت كافية ليختتم بها الباحث تدوينته: “مضمون؟ تصبحون على خير…”، خلاصة اليحياوي قاسية لكنها واقعية: لا تُحارب هجرة العقول بالخطابات، ولا تُبنى سيادة علمية بالخرائط الورقية.
فالدول التي ربحت معركة الذكاء الاصطناعي لم تبدأ بالشعارات، بل بدأت بالإنسان، وبالاستثمار طويل النفس في المعرفة، وبجعل الكفاءة قيمة وطنية لا عبئًا اجتماعيا.
أما في المغرب، فما دام المهندس يُعامل كرقم قابل للتعويض، وما دام البحث العلمي ترفًا في ميزانيات هشة، فإن نزيف العقول سيستمر، وستظل “خرائط الطريق” بلا طرق، و”الاستراتيجيات” بلا وجهة.
تعليقات الزوار