هبة زووم – برشيد
تعيش مدينة برشيد، في السنوات الأخيرة، واحدة من أسوأ مراحلها البيئية، بعدما تحولت النظافة من حق يومي للمواطن إلى مطلب مؤجل، ومن التزام جماعي إلى ملف يطويه الصمت والتجاهل.
مدينة بأكملها باتت تختنق تحت أكوام الأزبال، بينما ينشغل التدبير المحلي بتلميع الواجهة وتبادل الصور، في مفارقة صارخة بين الواقع المرير والخطاب الرسمي.
المشهد في أحياء برشيد لم يعد يحتاج إلى توصيف بلاغي بقدر ما يحتاج إلى تدخل عاجل، أكوام من النفايات تحتل مداخل الأحياء، أودية تحولت إلى مطارح عشوائية، وروائح خانقة تزكم الأنوف وتحوّل الحياة اليومية للسكان إلى معاناة مفتوحة.
واقع بيئي متدهور لا يليق بمدينة يفترض أنها “عاصمة أولاد حريز”، ولا بمواطنين يؤدون الضرائب وينتظرون في المقابل الحد الأدنى من العيش الكريم.
في محيط المدينة، تتجسد المأساة بأبشع صورها، عائلات تقاسي روائح خانقة، أطفال يعانون من أمراض تنفسية، وكبار سن يجدون أنفسهم محاصرين داخل بيوتهم، عاجزين عن فتح النوافذ أو التنفس بحرية.
كل ذلك يحدث في ظل صمت رسمي مريب، رغم المراسلات المتكررة التي وجهها السكان إلى السلطات المحلية، دون أن تجد طريقها إلى حلول ملموسة، وكأن هذه الأحياء خارج خريطة الاهتمام الجماعي.
المثير للاستغراب أن هذا الانهيار البيئي يتزامن مع حضور إعلامي مكثف لرئيسة الجماعة، حيث تحضر الصورة وتغيب المعالجة، ويُستثمر في المناسبات والأنشطة البروتوكولية أكثر مما يُستثمر في ملفات النظافة والتطهير والبيئة.
فهل تحوّلت رئاسة الجماعة إلى وظيفة علاقات عامة، أم أن أزمة الأزبال لا تستحق عناء النزول إلى الميدان؟
إن تدبير قطاع النظافة ليس ترفاً سياسياً ولا ملفاً ثانوياً، بل هو صلب الاختصاصات القانونية للجماعة الترابية، ومرآة حقيقية لنجاعة التسيير المحلي.
كما أن الحق في بيئة سليمة ليس شعاراً فضفاضاً، بل حق دستوري صريح يكفله الفصل 31 من الدستور المغربي، الذي يحمّل الدولة والجماعات الترابية مسؤولية توفير شروط العيش الكريم للمواطنين.
وما تعانيه برشيد اليوم لم يعد مجرد اختلال تقني أو تعثر في تدبير شركة مفوض لها، بل صار فشلاً سياسياً وتدبيرياً تتحمل مسؤوليته القيادة الجماعية، وعلى رأسها الرئيسة، التي يفترض فيها أن تضع صحة السكان فوق حسابات الصورة والواجهة.
مدينة بتاريخها وامتدادها الاجتماعي لا تستحق أن تتحول إلى مكبّ مفتوح للنفايات، ولا أن تُدار بعقلية ردّ الفعل وانتظار تفاقم الأزمات. برشيد تحتاج إلى رؤية بيئية واضحة، وإلى محاسبة شفافة، وإلى مسؤولين ينزلون إلى الأحياء قبل أن ينزلوا إلى عدسات التصوير.
ويبقى السؤال المؤلم معلقاً في هواء المدينة الملوث: من يُنقذ برشيد من هذا الجحيم البيئي الصامت؟ ومن يتحمل مسؤولية تحويل حق أساسي إلى معاناة يومية؟
تعليقات الزوار