هبة زووم – علال الصحراوي
لم تعد أزمة القطاع الصحي بمدينة مراكش مجرد اختلالات تقنية أو صعوبات ظرفية يمكن تجاوزها بإجراءات ترقيعية، بل أضحت وضعاً بنيوياً مزمناً، تتقاطع فيه ندرة الإمكانيات مع ضعف الحكامة وغياب المحاسبة.
وضع يُدار، بحسب فاعلين مدنيين وأطر من داخل القطاع، بعقلية الإنكار والهروب إلى الأمام، في ظل صمت لافت للمسؤول الأول عن الصحة بالمدينة.
الحيز الصحي بمراكش يكاد يكون مرآة لفشل تدبيري واضح: مراكز صحية تعاني خصاصاً مهولاً في المعدات الأساسية، أدوية حيوية غير متوفرة أو تُوزَّع بمنطق غامض، وأطر طبية وشبه طبية تعمل في ظروف تُقارب الاستنزاف المهني والنفسي.
المرضى، خصوصاً من الفئات الهشة، يُجبرون على الانتظار لساعات طويلة، وأحياناً لأيام، دون ضمان الحصول على فحص أو علاج، في مشهد يمس جوهر الحق الدستوري في الصحة.
ورغم تواتر الشكايات وارتفاع أصوات المجتمع المدني والنقابات المهنية، فإن الوضع لا يعرف سوى مزيد من التدهور. لا تقارير رسمية منشورة، لا تحقيقات معلنة، ولا محاسبة لمسؤولين ثبت عجزهم عن تدبير هذا القطاع الحيوي.
هذا الصمت الإداري لم يعد يُفهم كعجز فقط، بل يُنظر إليه كاختيار واعٍ لسياسة “النعامة”، حيث يُدفن الرأس في الرمل، بينما تتفاقم معاناة المواطنين.
داخل المراكز الصحية الحضرية، يتجلى تفاوت صارخ وغير مبرر بين الأحياء. فبينما تفتقر بعض المراكز لأبسط شروط الاشتغال، تحظى أخرى بتجهيزات وأطر أفضل دون معايير واضحة أو شفافية في التوزيع.
أما سياسة تعيين الأطباء، فتثير بدورها علامات استفهام كبيرة، إذ تُتهم بكونها انتقائية، لا تراعي الأقدمية ولا ظروف العمل، ولا مقاربة النوع، خاصة في ما يخص الأطر النسوية، ما يخلق شعوراً بالحيف ويؤثر سلباً على الأداء والاستقرار المهني.
وتزداد الصورة قتامة مع الحديث المتكرر عن الغياب غير المبرر لبعض الأطر الطبية، في ظل تساهل إداري يرقى إلى مستوى التواطؤ. غياب المراقبة الصارمة وآليات التتبع والمساءلة يجعل هذه الممارسات تتحول إلى “أمر واقع”، يدفع ثمنه المواطن البسيط الذي يجد نفسه وجهاً لوجه مع مرفق صحي عاجز.
المقلق في هذا السياق، هو أن مدينة بحجم مراكش، وبمكانتها السياحية والاقتصادية، تُترك مؤسساتها الصحية العمومية في هذا الوضع الهش، وكأن صحة الساكنة مسألة ثانوية لا تستحق سوى خطابات مطمئنة لا تعكس الواقع، فكيف يمكن الحديث عن تنمية مجالية أو عدالة اجتماعية في ظل قطاع صحي عاجز عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات؟
إن استمرار تدبير الشأن الصحي بالمدينة وفق منطق القرارات الفوقية و”التحكم عن بُعد” لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وفقدان الثقة. الإصلاح الحقيقي يقتضي أولاً الاعتراف بالفشل، ثم فتح تحقيق إداري جدي ومستقل، يحدد مكامن الخلل، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيداً عن منطق الحماية أو تبادل الاتهامات.
اليوم، لم يعد مطلوباً من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بيانات التهدئة أو الزيارات البروتوكولية، بل تدخل فعلي يعيد الاعتبار للمرفق الصحي العمومي، ويضع حداً لحالة التسيب الإداري.
فالصحة ليست ملفاً مؤجلاً ولا قطاعاً ثانوياً، بل ركيزة أساسية للكرامة الإنسانية، وأي تأخير في الإصلاح هو مساهمة مباشرة في تعميق الأزمة.
اليوم، صمت المسؤولين، وعلى رأسهم المسؤول الأول عن الصحة بمراكش، لم يعد موقفاً محايداً، بل أصبح جزءاً من المشكلة، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى يستمر هذا النزيف الصحي قبل أن تتحرك آليات الدولة لوضع حد لانهيار مرفق يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين؟
تعليقات الزوار