فاس: حين تتحول الحاجة إلى فرصة في رمضان والقيم إلى سلعة

هبة زووم – فاس
لم يعد غلاء المعيشة في مدينة فاس، خلال هذا الشهر الفضيل، خبراً عابراً ولا ظرفاً مؤقتاً تُعلّق عليه الآمال في تحسن قريب. لقد تحول إلى واقع يومي ضاغط، يلاحق المواطن في سوق الخضر، وفي فاتورة الكهرباء، وفي كراء السكن، وفي أبسط تفاصيل العيش.
السؤال لم يعد “هل الأسعار مرتفعة؟”، فذلك محسوم ومعايش يومياً، بل أصبح السؤال أكثر حدة ووجعاً: من يربح من هذا الغلاء؟ ومن يدفع ثمنه فعلًا؟
في ظل هذا السياق الاقتصادي الصعب، تبرز ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن غلاء الأسعار، وهي ظاهرة “انتهازيي الأزمة”، أولئك الذين يجدون في معاناة الناس فرصة للربح، وفي الفوضى الإدارية مدخلاً للنفوذ.
ومن حسن حظ بعض الانتهازيين أن “الخبث” لا يكتب على الجبين، وإلا لكانت الحياة أبسط كثيراً في التمييز بين الطيبين والمستغلين، لكن الواقع في فاس يكشف عن فئة تتقن فن التخفي خلف وجوه مبتسمة، وملامح ودودة، بينما تكشف أفعالهم عن عمق الانتهازية والانحراف الأخلاقي.
هؤلاء لا يكتفون بمعرفة “من أين تؤكل الكتف” فحسب، بل يمتلكون مهارة فطرية في التسلل إلى العقول، واستغلال أضعف النقاط، وتحويل كل موقف لصالحهم الشخصي، إنهم لا ينهشون فقط في الجيب، بل يبدو وكأنهم يستغلون البسط نفسياً ومادياً، ليحولوا أزمة المواطن إلى فرصة ذهبية لهم.
الأدهى من ذلك، هو تلك الفئة التي تلج المهن المختلفة من نوافذ غير مشروعة، مستغلة أي ثغرة أو فرصة، لتصبح فجأة جزءاً من دوائر النفوذ. ومع الوقت، يمارسون ما يعرفه الجميع من نفاق مبالغ فيه وتملق صريح.
في الكواليس، يصل الأمر بالبعض منهم إلى ممارسات مخزية، كتقبيل الأيدي أو إظهار الولاء المزيف، فقط للحصول على دعم وهمي أو حماية مؤقتة.
وكأن المبادئ أو القيم الإنسانية لا تعني شيئاً أمام المصالح الشخصية الضيقة، يبتسمون يميناً ويساراً، يوزعون التحايا واللطائف المصطنعة، فقط ليبدو أمام الآخرين أنهم ظرفاء أو محبوبون، بينما الواقع يعكس خلاف ذلك تماماً.
في المحصلة، يدفع المواطن الفاسي الثمن مرتين: مرة في سعر كيلو الخضر، ومرة في انهيار الثقة أمام هذه النماذج الانتهازية، فغلاء الأسعار قد يكون نتيجة عوامل موضوعية (عرض، طلب، مناخ)، لكن استغلال الأزمة من قبل بعض المنتفعين هو خيار أخلاقي بحت.
وهنا يطرح السؤال بقوة: أين هي الضمائر الحية؟ وأين هي الرقابة المجتمعية والمؤسسية على هؤلاء الذين يحولون المدينة إلى سوق للمصالح؟
في النهاية، تبقى فاس، المدينة العريقة، أحق من أن تُدار بمنطق “الغنيمة” و”الانتهاز”، فرمضان شهر الرحمة، ولا ينبغي أن يتحول إلى موسم لـ”جني الأرباح” على حساب جيوب البسطاء.
إن معالجة غلاء المعيشة لا تكفي وحدها، بل يجب أن ترافقها معالجة لأزمة القيم التي تسمح لهؤلاء الانتهازيين بالتمدد، فبدون ضمير يراقب، وقانون يردع، ستبقى الأسعار مرتفعة، وسيبقى “الخبيثون” يبتسمون، والمواطن هو من يدفع الثمن غالياً، فإما أن نستعيد كرامة المدينة وقيمها، وإما أن نستمر في دفع ثمن صمتنا عن الانحراف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد