تفتيش الشغل أم “تفتيش الورق”؟ سؤال يحرج السكوري وسط حوادث نقل الأجيرات المستمرة
هبة زووم – الرباط
بينما ينام وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، على وسادة من “المراسيم” و”القوانين”، تموت أجيرات الضيعات الفلاحية يومياً على الطرق الوعرة، وتُنتهك حقوقهن في صمت مطبق.
فحين اكتفى الوزير بالرد على سؤال برلماني بالإشارة إلى أن مصالحه “لا تدخر جهداً في التحسيس”، كان يرسل رسالة قاتمة للمواطنين مفادها: حماية النساء ليست أولوية بقدر ما هي مادة للدعاية السياسية.
جاء رد الوزير، الذي تلاه على مسامع النائبة البرلمانية نعيمة فتحاوي، خالياً من أي إجراء زجري أو عقابي رادع، مكتفياً باستحضار مرسوم قديم يعود لعام 2004، وقوانين حبرية لا تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع. فكيف يُعقل أن تُختزل حماية حياة النساء في “تحسيس” المشغلين، بينما تتحول حافلات النقل إلى مصائد للموت؟
“التحسيس”.. ستار لتبرير العجز
استند الوزير في دفاعه إلى “تحسيس وتوعية أصحاب المقاولات والضيعات الفلاحية”. هذه الكلمة، “تحسيس”، هي المفتاح الذي يكشف عجز الوزارة، فـ”التحسيس” يعني أن المشغلين لا يعلمون أن النقل الآمن واجب، بينما الواقع يؤكد أنهم يعلمون جيداً، لكنهم يختارون الربح على حساب السلامة.
وحين يتحول واجب قانوني إلزامي، كتوفير نقل آمن، إلى مادة “لتحسيس” اختياري، فإن الوزارة تعترف ضمنياً بعجزها عن فرض القانون. فالقانون لا يُحسّن، القانون يُفرض، ومن يكتفي بالتحسيس في وجه من ينتهك حياة البشر، يتحمل مسؤولية كل حادثة تقع بعد ذلك، إن الاعتماد على “وعي” المشغل الذي يبحث عن الربح السريع، بدلاً من “ردع” القانون، هو مقامرة بأرواح النساء لا تغتفر.
مرسوم 2004: قانون متحف لا يحمي من الموت
استحضر الوزير المرسوم رقم 2.04.568 الصادر في 29 دجنبر 2004. مرور عقدين من الزمن على هذا المرسوم دون تحديث آليات الزجر، ودون توفير وسائل رقابة عصرية، يحوله إلى مجرد وثيقة أرشيفية.
ويتحدث السكوري عن نصوص قديمة، بينما الأجيرات يحتجن إلى حماية آنية، فاستحضار مرسوم عمره 22 سنة في وجه معاناة راهنة، هو اعتراف بأن الوزارة تعيش في الماضي، بينما النساء يدفعن ثمن هذا الجمود بأرواحهن.
الواقع الميداني يصرخ عكس ما ورد في الرد الوزاري، فبدل النقل الآمن، تجد النساء أنفسهن محمولات في شاحنات البضائع مثل الأكياس، أو في حافلات متهالكة لا تتوفر على أدنى شروط السلامة، تسير في طرق وعرة يزيد خطر الحوادث فيها أضعافاً.
وبينما يتحدث الوزير عن “التعويض عن حوادث الشغل” وفق القانون رقم 18.12، تغرق عائلات الضحايا في بيروقراطية الإجراءات بينما المشغل يواصل نشاطه دون رادع.
تفتيش الشغل: حراس بلا أسنان؟
أكد الوزير أن مهمة تفتيش الشغل تقتصر على “مراقبة التطبيق” وتلقي “الإخبارات”، وهنا تكمن الكارثة. فاعتماد الوزارة على “إخبارات المشغلين” حول حوادث الشغل هو سذاجة إدارية لا تغتفر، ومن يضمن أن المشغل الذي انتهك حق النقل، سيبلغ بصدق عن الحادث الذي تسبب فيه؟
جهاز تفتيش الشغل، الذي يفترض أن يكون رادعاً، تحول في كثير من الأحيان إلى مجرد مسجل للمخالفات دون متابعة قضائية فعالة، و”توجيه الملاحظات والتنبيهات”، كما ورد في رد الوزير، هو لغة دبلوماسية تعني في قاموس المشغلين: لا عقوبة حقيقية تنتظركم. فبدون غرامات مالية موجعة، وبدون إغلاق للضيعات المخالفة، وبدون متابعات جنائية صارمة، ستبقى “التنبيهات” مجرد أوراق لا قيمة لها.
وكيف يمكن لمفتش واحد أن يراقب مئات الضيعات في إقليم واحد؟ هذا السؤال يبقى دون جواب لدى الوزارة.
الدم قبل الحبر: واقع الأجيرات
خلف الأرقام الجافة والردود البرلمانية، تكمن مآسٍ إنسانية لا يراها الوزير من مكتبه المكيف. نساء يُحملن في شاحنات البضائع، حوادث سير جماعية تترك وراءها أرامل وأيتاماً في صمت إعلامي، وخوف الأجيرات من الإبلاغ عن الانتهاكات خوفاً من الفصل التعسفي.
وحين يقول الوزير إن المصالح “لا تدخر جهداً”، فإن آلاف الأجيرات في سوس، والغرب، والشرق، والجنوب، يصرخن: أين الجهد؟ أين الحماية؟ أين العدالة؟
إشكالية الوزارة لا تكمن في نقص القوانين، بل في نقص الإرادة السياسية لفرضها. فالقطاع الفلاحي، رغم أهميته الاستراتيجية، لا يجب أن يكون منطقة محرمة على قانون الشغل.
وحماية الأجيرات ليست منة من المشغلين، ولا مجرد “تحسيس” من الوزارة، بل هو واجب مقدس يحميه الدستور. إن الاكتفاء بـ”تحرير محاضر وتوجيهها للمحكمة”، كما ورد في رد السكوري، هو إجراء روتيني لا يردع. فالمحاكم مزدحمة، والإجراءات بطيئة، والمشغل يستمر في استغلال النساء بينما تنتظر العدالة دورها.
كفى مواعظ.. نريد حماية
في النهاية، لم يعد المواطن يقبل بأن تُدار ملفات الحياة والموت بـ”التحسيس” و”التوعية”. فوزارة التشغيل ليست وزارة للإرشاد الاجتماعي، بل هي وزارة مسؤولة عن فرض القانون وردع المعتدي.
فإما أن يجرؤ الوزير يونس السكوري على الخروج من دائرة الراحة البيروقراطية، ويفعل ترسانة الزجر، ويعزز مفتشي الشغل بوسائل حقيقية للوصول للضيعات النائية، ويفرض عقوبات إغلاق على كل ضيعة تنتهك سلامة النساء.
وإما أن يعترف بصراحة أن الوزارة عاجزة عن حماية الفئة الأكثر هشاشة في سوق الشغل المغربي، ويترك المجال لآليات أخرى تضمن الكرامة والأمان.
أرواح النساء اليوم لسن ورقة ضغط، ولا مادة لردود برلمانية منمقة. إما حماية فعلية تردع الموت، أو صمت يُسجل في صحيفة الإهمال. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى.