أزيلال: بين التوجيهات الملكية وواقع الغياب الميداني للوالي بنرباك

هبة زووم – أزيلال
يثير غياب والي جهة بني ملال خنيفرة، بنرباك، عن إقليم أزيلال العديد من علامات الاستفهام، في وقت تؤكد فيه التوجيهات الملكية السامية على ضرورة التواصل الدائم للولاة والعمال مع المواطنين، سواء داخل الإدارات أو من خلال النزول إلى الميدان والوقوف المباشر على هموم الساكنة ومشاكلها.
فإقليم أزيلال، الذي يُعد من بين الأقاليم التي تعاني هشاشة بنيوية واضحة، كان في أمسّ الحاجة إلى زيارات ميدانية خاصة خلال التساقطات الثلجية الأخيرة التي زادت من معاناة عدد من الجماعات القروية.
ورغم حجم الإكراهات المرتبطة بفك العزلة، وضعف البنيات التحتية، وتعثر عدد من المشاريع التنموية، لم يُسجل حضور ميداني لافت للوالي للوقوف على هذه الأوضاع عن قرب.
شهد إقليم أزيلال خلال الأسابيع الأخيرة موجة من التساقطات الثلجية الكثيفة، عزلت عشرات الدواوير والجماعات القروية عن العالم، وقطعت طرقاً حيوية، وعطلت خدمات أساسية.
وفي مثل هذه الظروف، يتوقع المواطنون حضوراً ميدانياً لمسؤولي الجهة، ليس فقط “للتفقد”، بل لإعطاء دينامية للتدخلات العاجلة وطمأنة السكان، لكن الواقع كان مختلفاً، فبينما كانت الجماعات القروية تنتظر كلمة طمأنة أو تدخلاً حاسماً، ظل الصمت هو السائد من مستوى الولاية.
وهذا الغياب لا يُقرأ مجرد “انشغال بملفات أخرى”، بل يُفسر من قبل السكان كتجاهل مُبرمج لمعاناة إقليم بأكمله، والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا لم يكن الثلج والعزلة سبباً كافياً لزيارة والية، فمتى يكون السبب كافياً؟
لم يكن غياب الوالي عن أزيلال مجرد “صدفة إدارية”، فقد عبّرت الساكنة في أكثر من مناسبة عن مطالبها عبر احتجاجات ومسيرات، كان آخرها مسيرة أنركي المطالبة بفك العزلة وتحسين البنيات التحتية.
هذه التحركات ليست “فوضى” أو “توتراً عابراً”، بل هي رسالة واضحة من مواطنين يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم يواجهون الإهمال، فحين يتحرك السكان للاحتجاج، فهذا يعني أن قنوات التواصل الرسمية لم تعد كافية، وحين يغيب المسؤول الأول عن الجهة في مثل هذه اللحظات، فإن الرسالة التي تُبعث للسكان مؤلمة: “مطالبكم ليست أولوية”.
لا يقتصر انتظار أزيلال على الزيارات البروتوكولية، فالإقليم يعاني من تعثر مزمن في مشاريع حيوية، وعلى رأسها مشاريع الطرق والمسالك القروية التي تُعد شريان الحياة للساكنة الجبلية، طرق معلن عنها منذ سنوات لم تُنجز، مسالك مقطوعة تعزل الدواوير، ومشاريع تنموية “معلقة” بين الوعود والتنفيذ.
وفي مثل هذا السياق، لا تكفي “التقارير الإدارية” و”الاجتماعات الرسمية” لمعالجة الأزمة، فالسكان يحتاجون إلى حضور ميداني يلمس واقع التعثر، ويسمع شكاواهم مباشرة، ويُعطي تعليمات حاسمة لتسريع الإنجاز، فكيف يُعقل أن تُعلن عن مشاريع لفك العزلة، بينما الوالي لا يزور الإقليم ليرى بنفسه حجم المأساة؟
تؤكد التوجيهات الملكية السامية بشكل متكرر على ضرورة أن يكون الولاة والعمال في قرب دائم من المواطنين، وأن يتحول “المكتب” إلى “ميدان”، و”التقرير” إلى “حوار مباشر”.
هذه التوجيهات ليست نصائح اختيارية، بل هي دستور العمل الترابي في المغرب، فحين يغيب والي جهة عن إقليم هش كأزيلال، فإننا لا نتحدث فقط عن “اختيار شخصي”، بل عن تقصير في واجب وظيفي ودستوري.
فالولاية ليست منصباً للبروتوكول، بل هي مسؤولية للخدمة الميدانية، والسؤال المحرج: هل أصبحت التوجيهات الملكية حبراً على ورق في بعض الممارسات الترابية؟
ويرى العديد من الفاعلين المحليين أن تدبير الشأن الجهوي لا يمكن أن يظل حبيس المكاتب والاجتماعات الرسمية، بل يتطلب انتقالاً فعلياً إلى الميدان، خصوصاً في إقليم مثل أزيلال الذي ما يزال يسجل تأخراً ملحوظاً في مؤشرات التنمية.
فالتنمية لا تُدار من بعيد، ولا تُقاس بالبيانات الصحفية، بل بالنتائج الملموسة على الأرض، وحين يُغلب “الراحة المكتبية” على “المشقة الميدانية”، فإن الفجوة بين المسؤول والمواطن تتسع، وتضعف الثقة في المؤسسة الترابية.
في النهاية، لم يعد سكان أزيلال يقبلون بأن يكون إقليمهم “منسياً” في خريطة الزيارات الوالية، فالإقليم الذي يعاني من الهشاشة، والعزلة، وتعثر المشاريع، يستحق أكثر من مجرد “اهتمام عن بعد”.
فإذا كان والي جهة بني ملال خنيفرة جاداً في تطبيق التوجيهات الملكية، فلا بد من زيارة ميدانية عاجلة لأزيلال، تشمل الجماعات الأكثر تضرراً من العزلة والثلوج، وعقد اجتماع مباشر مع الفاعلين المحليين والمجتمع المدني لسماع الانشغالات دون وساطة، وإطلاق خطة استعجالية لتسريع المشاريع المتعثرة، خاصة المسالك القروية، وإشراك الساكنة في تتبع المشاريع، لضمان الشفافية واستعادة الثقة.
المواطن في أزيلال لا يحتاج إلى بيانات صحفية، يحتاج إلى والٍ يراه بعينه، ويسمع شكواه بأذنه، ويتحرك بيده لإنقاذ إقليم ينتظر منذ زمن، فإما حضور ميداني يُعيد الأمل ويُجسد التوجيهات الملكية، وإما استمرار في الغياب الذي يُعمق الشعور بالتهميش ويُضعف شرعية التدبير الترابي، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: الميدان أولاً.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد