تطوان: “رخصة الثقة” تتحول إلى “رخصة للذل” وسط طوابير بالمستشفيات وإقصاء تعسفي للسائقين

هبة زووم – حسن لعشير
في بيان شديد اللهجة كشفت الكتابة الإقليمية لقطاع الطاكسيات بتطوان، التابعة للفدرالية الديمقراطية للشغل، عن انزلاق خطير في عملية تحويل رخصة الثقة من الصيغة الورقية إلى الإلكترونية، في وقت كان يُفترض أن يُشكل التحول الرقمي رافعة لتخليق المهنة، فإذا به يتحول إلى ورشة فوضى تُهدد كرامة آلاف السائقين واستقرار قطاع حيوي بأكمله.
البيان، الذي توصلت هبة زووم بنسخة منه، لا يُخفي الغضب النقابي من تدبير يُوصف بـ”العبثي”، حيث تُختزل عملية شاملة تخص آلاف المؤلفة من المهنيين في مستشفى وحيد وهو المستشفى الإقليمي سانية الرمل، بطاقة استيعابية لا تتجاوز 80 شهادة يومياً، وآجال زمنية لا تتعدى ثلاثة أشهر.
هذه المعادلة الرياضية البسيطة، تقول الكتابة الإقليمية لقطاع الطاكسيات بتطوانن تُنتج نتيجة واحدة حتمية: فوضى منظمة، طوابير مذلة، ومحسوبية في ثوب جديد.
لنفهم حجم الكارثة، حسب ما تقوله الهيئة النقابية، دعنا نُجري حساباً بسيطاً: إذا كانت الطاقة اليومية للمستشفى لا تتجاوز 80 شهادة، وعدد السائقين المعنيين يصل إلى آلاف المؤلفة، فإن الأيام المطلوبة نظرياً تتجاوز 62 يوم عمل بدون عطل ولا تعثرات، بينما الآجال المحددة لا تتعدى 3 أشهر تشمل عطل نهاية الأسبوع، والنتيجة معادلة مستحيلة رياضياً، تُترجم على الأرض إلى طوابير خانقة، أيام ضائعة، ودخل مقطوع لسائقين يعيشون على القوت اليومي.
هنا لا نتحدث عن خلل تقني عابر، نتحدث عن تخطيط فاشل يُحمّل المهنيين ثمن أخطاء لم يرتكبوها، فسؤال بسيط يفرض نفسه: لماذا اكتُفي بمستشفى واحد في إقليم كامل؟ هل هي توفير للميزانية على ظهر السائقين؟ أم لامبالاة مُبرمجة بمن لا يملكون صوتاً؟
البيان النقابي لا يكتفي بوصف الاكتظاظ، بل يذهب إلى ما هو أخطر: حالة الاكتظاظ فتحت المجال لإحداث ممارسات مشينة تمس بمبدأ النزاهة وتكافؤ الفرص. بعبارة صريحة: حين يتحول الحصول على شهادة طبية روتينية إلى مغامرة تتطلب الوقوف لساعات، فإن الباب يُفتح أمام الزبونية والواسطة كحل سريع لمن يملك معرفة أو علاقة.
هذا الانزلاق لا يُسيء فقط للمهنيين الذين ينتظرون بحق، بل يضرب في العمق مصداقية العملية برمتها، فأي تخليق للمهنة هذا الذي يبدأ بخلق فوضى تُغذي الممارسات غير الشفافة؟ وأي تحول رقمي هذا الذي يُنتج محسوبية أكثر من النظام الورقي الذي يُفترض أن يحل محله؟ والسؤال المحرج: أين هي رقابة السلطات على هذا الوضع؟ أم أن الطوابير تُترك لتنظم نفسها بنفسها، بينما الوسطاء ينظمون العملية لصالح من يدفع أكثر؟
ولا يتوقف البيان عند الإشكاليات اللوجستية، بل ينتقل إلى نقد جوهري قد يُوصف بالانفجار الاجتماعي، فالمكتب النقابي يسجل رفضه القاطع لإقصاء فئة من المهنيين ذوي السوابق العدلية الخفيفة من الاستفادة من عملية استبدال رخصة الثقة.
هنا تكمن الإشكالية الأخلاقية والقانونية: كثير من هذه السوابق إما غرامات بسيطة لا تمس النزاهة المهنية، أو قضايا قديمة استوفت شروط التقادم القانوني، فكيف يُعقل أن يُحرم سائق محترف من ممارسة مهنته، التي يعتمد عليها في قوت يومه وقوت عياله، بسبب مخالفة انتهت عقوبتها قانوناً؟
هذا الإجراء، بحسب البيان، لا ينسجم وروح العدالة والإنصاف. لكننا نذهب أبعد من ذلك: هذا الإجراء يُهدد بأزمة اجتماعية، حيث يُدفع بسائقين إلى الهامش، ليس لأنهم مجرمون، بل لأنهم ارتكبوا مخالفات بسيطة في ماضٍ بعيد، فالسؤال الوجودي: هل نريد سائقين يعملون بكرامة، أم نريد سائقين يُدفعون إلى اليأس؟
ويُؤكد البيان أن المكتب النقابي انخرط في العملية بكل مسؤولية وجدية من خلال تأطير السائقين المهنيين وتحسيسهم بأهميتها، هذا التوضيح مهم جداً: النقابة ليست ضد الإصلاح. بل هي ضد التدبير الفاشل الذي يُحمّل السائقين ثمن أخطاء التخطيط.
فحين تتحول نية الإصلاح إلى واقع معقد يُنتج طوابير ومحسوبية وإقصاء، فإن المسؤولية تنتقل من المهنيين إلى الجهات المشرفة على التدبير، وهذا بالضبط ما يُحمله البيان للسلطات المحلية والجهات المعنية: المسؤولية الكاملة عما قد يترتب عن استمرار هذه الاختلالات. هذه ليست تهديداً نقابياً، بل تحذير مسؤول من تداعيات قد لا تُحمد عقباها.
في النهاية، لم يعد بيان الكتابة الإقليمية لقطاع الطاكسيات بتطوان مجرد شكوى روتينية، إنه جرس إنذار أحمر يُنبه إلى أن التحول الرقمي، إن لم يُدبّر بحكمة وعدالة، قد يُنتج فوضى أكبر من النظام الذي يُفترض أن يحل محله.
فإذا كانت السلطات جادة في إنجاح عملية تحويل رخصة الثقة، فلا بد من خطوات عاجلة وحاسمة: توسيع شبكة المستشفيات المخوَّل لها تسليم الشهادات الطبية فوراً، لتخفيف الضغط عن سانية الرمل، ورفع الطاقة الاستيعابية اليومية لتتناسب مع العدد الفعلي للمعنيين بالعملية، ومراجعة معيار الإقصاء بالسوابق العدلية، لتمييز المخالفات الجسيمة عن الغرامات البسيطة أو القضايا المتقادمة، مع تعزيز الشفافية في عملية منح الشهادات، لمنع أي انزلاق نحو المحسوبية، وتمديد الآجال الزمنية إن لزم الأمر، لضمان إنجاز العملية في ظروف لائقة، وفتح قنوات حوار مع النقابة لسماع انشغالات المهنيين قبل فوات الأوان.
سائق الطاكسي بتطوان لا يرفض الإصلاح، يطلب فقط أن يُنفذ بطريقة تحترم كرامته، وتحفظ حقه في العمل، وتضمن عدالة الانتظار، فإما تدبير رشيد يُعيد الثقة في العملية، وإما استمرار في التعقيد الذي يُغذي الاحتقان ويُهدد بتصعيد نقابي لا يُحمد عقباه، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الإرادة لسماع صوت المهنيين قبل أن تتحول الطوابير إلى احتجاجات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد