الدار البيضاء: هزة إدارية غير مسبوقة بعمالة مقاطعات أنفا والوالي يُفجر ملف “فيلا المستشفيات” ويُوقف باشا المعاريف
هبة زووم – الدار البيضاء
شهدت عمالة مقاطعات الدار البيضاء–أنفا هذه الأيام حركة إدارية مفاجئة وغير مسبوقة، عقب حضور مباغت لوالي جهة الدار البيضاء–سطات امهيدية، ما خلق حالة من الترقب والقلق داخل أوساط الموظفين والمنتخبين المحليين على حد سواء.
فبينما يُفترض أن تكون التغييرات الإدارية “إجراءات روتينية” لتحسين التدبير، تحولت هذه الهزة المفاجئة إلى رسالة قوية مفادها أن عصر المحاسبة قد بدأ في واحدة من أهم عمالات المملكة، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: هل نعيش بداية عاصفة إصلاح تُنقذ قطاع التعمير من الخرقات المُمنهجة؟ وأي مسؤولية هذه التي تنتظر “فضيحة فيلا” قبل التحرك؟
“فيلا المستشفيات”: من تراث مهدد إلى ملف يُطيح بمسؤولين
حسب مصادر مطلعة، فقد تم اتخاذ قرارات بإجراء تغييرات على مستوى بعض المسؤوليات الترابية، حيث تقرر تعيين باشا جديد لتعويض باشا المعاريف الذي جرى توقيفه مؤقتاً على خلفية الملف المرتبط بالفيلا التاريخية بحي المستشفيات، وهو الملف الذي أثار نقاشاً واسعاً بسبب شبهات خروقات مرتبطة بقوانين التعمير.
هذا التوقيف الاستباقي يطرح إشكاليات وجودية: كيف سُمح بخرقات محتملة تهدد عقاراً تاريخياً بينما يفترض أن تكون الرقابة على التعمير صارمة ومستمرة؟ وأين هي لجان حماية التراث التي يفترض أن تتدخل قبل تفاقم الوضع؟ ولماذا لا تُعلن تفاصيل الشبهات لضمان شفافية المحاسبة وردع المقصرين؟
فتحويل حماية التراث من واجب مؤسسي إلى رد فعل بعد الفضيحة لا يُهدد فقط الذاكرة الحضرية للدار البيضاء، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما عانت منها ملفات التعمير في المغرب.
قيادة أنوال: تغيير استباقي في انتظار تحقيقات أعمق
كما شملت هذه الحركة تعيين قائدة جديدة على رأس قيادة أنوال، خلفاً للقائد السابق، في انتظار استكمال مسطرة تعميق البحث التي تباشرها الجهات المختصة بخصوص عدد من الملفات المرتبطة بالتدبير العمراني.
هذا التغيير المؤقت يطرح أسئلة استراتيجية: لماذا لا تُعلن الجهات المختصة عن جدول زمني للتحقيقات لضمان شفافية المسطرة؟ وأين هي آليات الوقاية التي تمنع تفاقم الاختلالات قبل اللجوء إلى العقوبات اللاحقة؟ وكيف يمكن ضمان حياد التحقيقات بينما تُدار الملفات في كواليس إدارية مغلقة؟
إن استمرار الغموض حول مسار التحقيقات لا يُغذي فقط شكوك الرأي العام، بل يُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على محاسبة المقصرين في ملفات حساسة كالتعمير والتراث.
تحقيقات ممتدة: هل تطال المنتخبين الجماعيين؟
تشير المعطيات الأولية إلى أن هذه الإجراءات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ يرجح أن تمتد التحقيقات لتشمل مسؤولين وموظفين آخرين، وربما منتخبين جماعيين، في إطار التدقيق في بعض التراخيص والملفات المرتبطة بالبناء والتعمير.
هذا السيناريو المحتمل يطرح إشكاليات استراتيجية: أين هي الرقابة الاستباقية على منح تراخيص البناء التي يفترض أن تمنع الخرقات قبل وقوعها؟ ولماذا لا تُعلن عمالة أنفا عن لائحة الملفات قيد التدقيق لضمان شفافية المساطر؟ وكيف يمكن التوفيق بين سرية التحقيقات وحق الرأي العام في المعرفة”؟
فتحويل التحقيقات من أداة إصلاح إلى سلاح انتقامي أو ورقة مساومة لا يُهدد فقط استقرار التدبير الترابي، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُؤجل المحاسبة حتى تفجر الفضائح.
أنفا في حالة ترقب: بين الأمل في الإصلاح وخوف المقصرين
وتعيش عمالة أنفا حالياً أجواء من الحذر والترقب، في انتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيقات الجارية والقرارات المرتقبة خلال الأيام المقبلة، في سياق تشديد المراقبة على احترام القوانين المنظمة لقطاع التعمير وحماية العقار ذي القيمة التاريخية.
هذا الترقب المشروع يطرح سؤالاً وجودياً: هل سيُترجم تشديد المراقبة إلى إصلاح هيكلي يضمن عدم تكرار الخروقات؟ أم أن الهزة الإدارية ستبقى حدثاً ظرفياً دون تأثير دائم على منظومة التدبير؟
الوالي امهيدية على المحك: رسالة حزم أم رد فعل إعلامي؟
في ظل هذه التطورات، يبرز دور والي جهة الدار البيضاء–سطات كـمحور أساسي في هذه الهزة الإدارية، فبينما يُفترض أن يكون الوالي حامي القانون وضامن استمرارية المرفق العام، يبدو أن الخيار هذه المرة هو التدخل الحازم لقطع الطريق على أي تواطؤ أو تغاضي.
لكن السؤال الاستراتيجي يبقى: هل يكفي توقيف باشا وتعيين قائدة لمعالجة اختلالات هيكلية في قطاع التعمير؟ أم أن الأمر يتطلب مراجعة شاملة لمنظومة منح التراخيص ومراقبة الأشغال؟
ما ننتظره: من الهزة إلى الإصلاح الهيكلي
لم يعد مقبولاً أن تُترك ملفات التعمير والتراث في الدار البيضاء رهينة خرقات محتملة وتحقيقات مؤجلة، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو إعلان رسمي وشفاف عن تفاصيل التحقيقات الجارية في ملف “فيلا المستشفيات” والملفات المرتبطة، مع نشر النتائج للرأي العام.
كما يتطلب الأمر مراجعة شاملة لمنظومة منح تراخيص البناء بعمالة أنفا، مع تفعيل آليات رقابة استباقية تمنع الخروقات قبل وقوعها، بالإضافة إلى حماية صارمة للعقارات ذات القيمة التاريخية، مع إحداث لجنة مستقلة لتتبع حالتها ومنع أي تدخل غير قانوني.
ويُنتظر أيضاً ضمانات لحياد التحقيقات، مع إشراك ممثلين عن المجتمع المدني والخبراء في لجان المراقبة لضمان المصداقية، مع محاسبة نكال لكل من يثبت تورطه في خرق قوانين التعمير أو الإضرار بالتراث الحضري، لضمان ردع حقيقي يقطع مع ثقافة الإفلات.
ما تعيشه عمالة أنفا مع هزة التغييرات الإدارية ليس حدثاً إدارياً عابراً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية التغاضي لخدمة المصلحة العامة.