الكنبوري يهاجم اقتصاد الريع ويحذر: استمرار نزيف المال العام يهدد استقرار البلاد

هبة زووم – الرباط
في تدوينة لاذعة، أعاد الباحث في الشؤون الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المغرب: نزيف المال العام واستمرار الفساد رغم تعاقب الحكومات وتعدد الشعارات.
الكنبوري لا يكتفي بوصف الواقع، بل يضع إصبعه مباشرة على الجرح، متسائلاً بمرارة: متى يتوقف هذا النزيف؟ ومتى يظهر مسؤولون يعتبرون المال العام أمانة لا غنيمة؟ سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يكشف عمق أزمة بنيوية تتجاوز الأشخاص لتطال منظومة كاملة ظلت، لعقود، تنتج نفس الأعطاب وتعيد تدوير نفس النخب.
منذ الاستقلال، مرّ المغرب بمحطات سياسية ودستورية متعددة، آخرها دستور 2011، غير أن الحصيلة، كما يراها الكنبوري، لم ترقَ إلى مستوى تطلعات المواطنين، حكومات تتعاقب، ووزراء يتبدلون، لكن المشهد العام يظل ثابتاً: ثروات تتضخم في يد فئة قليلة، مقابل اتساع رقعة الفقر والبطالة.
الأخطر في هذا التشخيص، هو ما يشبه “تطبيع الفساد” داخل مؤسسات يُفترض أنها حامية للمال العام. فبدل أن تكون هذه المؤسسات أدوات لخدمة المواطن، تحولت في نظر منتقدين إلى فضاءات مغلقة تُدار بمنطق الامتياز، حيث تتعدد المناصب وتتراكم الأجور، ويُفتح المجال أمام شبكات غير مرئية تتحكم في توزيع الفرص والثروات.
هذا الواقع يفرز مفارقة صارخة: في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات “ربط المسؤولية بالمحاسبة” و”الدولة الاجتماعية”، تستمر ممارسات تناقض هذه المبادئ على الأرض. والنتيجة، كما يبرزها الكنبوري، فقدان متزايد للثقة في المؤسسات، وشعور عام بأن العدالة الاجتماعية مجرد وعد مؤجل.
ولا يقف النقد عند حدود التدبير الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي والسياسي، حيث يعتبر الباحث أن جزءاً من النخبة الحاكمة فقد البوصلة، وأصبح ولاؤه مرتبطاً بالمصالح لا بالمبادئ.
وهو ما يفسر، في نظره، استمرار نفس الوجوه في مواقع القرار، واستفادة البعض من تعدد الامتيازات في وقت يواجه فيه الشباب شبح البطالة وانسداد الأفق.
في هذا السياق، يعود الكنبوري إلى سؤال الثروة الذي طُرح قبل سنوات، دون أن يجد جواباً شافياً إلى اليوم، في إشارة تعكس حجم الاختلالات المرتبطة بتوزيع الثروة والعدالة الاجتماعية، سؤال لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً وأخلاقياً، لأنه يضع الدولة أمام مسؤوليتها في ضمان تكافؤ الفرص وصون كرامة المواطنين.
اليوم، ومع تزايد مؤشرات الاحتقان الاجتماعي وتنامي رغبة الشباب في الهجرة، يبدو أن كلفة هذا “النزيف” لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت تهدد التماسك الاجتماعي ذاته. فحين يفقد المواطن ثقته في مؤسساته، تتحول الدولة من إطار جامع إلى كيان فاقد للمصداقية.
إن ما يطرحه الكنبوري ليس مجرد موقف عابر، بل هو دعوة صريحة لإعادة النظر في نموذج الحكامة برمته، فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر تغيير الوجوه أو تعديل القوانين فقط، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية لقطع دابر الريع، وتفعيل آليات المحاسبة، وربط المسؤولية بالفعل لا بالشعار.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام أزمة عابرة يمكن تجاوزها بإصلاحات جزئية، أم أمام خلل عميق يستدعي مراجعة شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة كخادم للصالح العام لا كغنيمة يتقاسمها النافذون؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد