انقسامات فلسفية أم تسويف سياسي؟ وهبي يقر بفشل إحالة القانون الجنائي الجديد بـ”حجة الإبداع الإجرامي”
هبة زووم – الرباط
بعد سنوات من النقاش والوعود، يقر عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، بأن مشروع القانون الجنائي الجديد لا يزال يثير انقسامات عميقة سواء في الرؤى أو الخلفيات الفلسفية، مما يحول دون إحالته على البرلمان خلال الولاية التشريعية الجارية.
تصريح يبدو صادقاً في ظاهره، لكنه في واقع الممارسة التشريعية يطرح سؤالاً وجودياً مُحرِجاً: إذا كانت الخلفيات الفلسفية هي العائق، فلماذا استغرق التوافق الفلسفي كل هذه السنوات؟ وأي حكمة إصلاحية هذه التي تُحوّل تحديث القانون الجنائي من أولوية وطنية إلى ورشة فلسفية تحت غطاء الإبداع الإجرامي؟
فبينما يُفترض أن يكون القانون الجنائي درعاً يحمي المجتمع من الجرائم المستجدة، يجد المواطن نفسه أمام فراغ تشريعي يترك الإبداع الإجرامي يتفوق على الإبداع التشريعي.
سؤال بسيط لكنه عميق: إلى متى سيستمر عبث التأجيل بينما يُترك المواطن يتفرج على جرائم جديدة تُرتكب أمام عينيه تحت غطاء انتظار التوافق الفلسفي؟
وأوضح وهبي أن القانون الجنائي لا يستطيع بطبيعته تغطية كل أشكال الجرائم، نظراً لما أسماه الإبداع الإجرامي الذي يتجدد باستمرار، حجة تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها في واقع التدبير التشريعي تطرح إشكاليات جوهرية.
فتحويل الإصلاح الجنائي من واجب مستمر إلى مناسبة فلسفية لا يُهدر فقط فرص حماية المجتمع، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة النقاش على شرك الفعل.
وأشار الوزير إلى نقاشات داخل المشروع حول جرائم هدر الموارد المائية، معتبراً أن الماء سيصبح في المستقبل مورداً أكثر ندرة وقيمة، مما يستوجب التفكير جدياً في تجريم كل أشكال التبذير.
عبارة تبدو استباقية في ظاهرها، لكنها في واقع السياسات التشريعية تطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت ندرة المياه مُتوقعة، فلماذا ينتظر التجريم حتى تتحقق الندرة؟
كما تطرق الوزير إلى جملة من الجرائم الجديدة التي تُناقش حالياً ضمن مشروع القانون الجنائي، مثل: جريمة التعذيب، التسول بأشكاله المختلفة، وسرقة الأموال الرقمية.
وذكر وهبي أن طلبات التسليم الدولية التي تصل إلى المغرب تكشف أحياناً عن أنواع جرائم غير مألوفة يتم التعرف عليها لأول مرة من خلال هذه الملفات، مما يفرض على المشرع المغربي اليقظة والتكيف مع المستجدات الجنائية العالمية.
ويرى مراقبون أن التعقيدات المرتبطة بمشروع القانون الجنائي تعكس حساسية الملف وأهميته الاستراتيجية في منظومة العدالة، خاصة في ظل تعدد الرؤى والمقاربات حول فلسفة التجريم والعقاب.
ويُعتبر تأجيل إحالة المشروع على البرلمان خلال الولاية التشريعية الجارية مؤشراً على عمق النقاشات القائمة، وحاجة المشرع إلى مزيد من الوقت للتوافق حول مضامين قد تمس حقوقاً وحريات أساسية.
هذا، ويمثل مشروع القانون الجنائي الجديد ورشاً تشريعياً مصيرياً لتحديث الترسانة الجنائية المغربية ومواكبة التحولات المجتمعية والتكنولوجية.
فإما أن يتجاوز المسؤولون الانقسامات الفلسفية لتبني نص عصري يوازن بين الزجر والوقاية، وإما أن يستمر التأجيل مما قد يُضعف قدرة المنظومة الجنائية على مواجهة أشكال الجريمة المستجدة.
ليبقى الرهان الآن على قدرة وزارة العدل والبرلمان على استكمال النقاش التشاركي حول المشروع، لضمان خروجه في صيغة نهائية تحقق التوازن بين حماية المجتمع وصيانة الحريات، خدمةً لعدالة مغربية عصرية وفعالة.