هبة زووم – تنغير
تعود واحة تودغى بإقليم تنغير إلى واجهة النقاش العمومي، ليس بوصفها مجالاً طبيعياً هشاً يحتاج إلى الحماية والتثمين، بل باعتبارها فضاءً يتعرض لضغط متزايد نتيجة تدخلات ميدانية أثارت مخاوف بيئية وصحية جدية، بعد تسجيل تسربات لمياه الصرف الصحي عقب أشغال تم إنجازها بالمنطقة.
وفي هذا السياق، عبّرت الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بتنغير عن قلقها مما وصفته بتدخلات غير محسوبة العواقب، معتبرة أن ما جرى يهدد التوازن البيئي للواحة ويمسّ بحقوق الساكنة في بيئة سليمة.
غير أن هذا الموقف، رغم حدته، يعيد طرح سؤال أعمق من مجرد بلاغ سياسي: من يراقب فعلياً جودة التدخلات في المجالات الواحية الحساسة؟
الإشكال لا يقف عند حدود تسجيل تسربات مائية ملوثة، بل يتجاوزها إلى غياب الوضوح حول الإطار المؤسسي والتقني الذي سُمح بموجبه بتنفيذ هذه الأشغال.
فحسب المعطيات المثارة، لا يبدو أن هناك تواصلاً كافياً أو توضيحاً للرأي العام حول طبيعة الدراسات القبلية، أو مدى احترام المعايير البيئية الخاصة بالمجالات الواحية، وهي مناطق مصنفة ضمن الفضاءات الهشة التي تتطلب مقاربات دقيقة ومشددة.
المفارقة التي أثارتها الجهة السياسية نفسها تظل لافتة، حين تم التذكير بتناقض بين خطاب رسمي يرفع شعار حماية الواحات، وبين واقع ميداني يسمح بتدخلات يُخشى أن تكون لها آثار عكسية، في وقت يتم فيه في المقابل تعطيل مشاريع أخرى بدعوى الحفاظ على نفس المنظومة البيئية.
هذا التباين يعكس ارتباكاً في تدبير القرار العمومي، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول انسجام السياسات الترابية في الإقليم.
الأكثر خطورة في هذه القضية هو البعد البيئي المباشر، حيث يشكل تسرب مياه الصرف الصحي نحو مجرى واد تودغى تهديداً محتملاً للفرشة المائية، إضافة إلى المخاطر الصحية المرتبطة بتلوث المياه في منطقة تعتمد بشكل كبير على مواردها الطبيعية في العيش والفلاحة والسياحة.
كما يبرز ملف التعمير كعنصر إضافي في تعقيد الوضع، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن القوانين والمساطر المعتمدة لا تراعي دائماً خصوصيات الواحات، ما يخلق فجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، ويؤدي في كثير من الحالات إلى تضييق غير مباشر على الساكنة بدل حمايتها.
في ظل هذا الوضع، أعلنت الكتابة الإقليمية للحزب عزمها القيام بزيارة ميدانية للوقوف على حجم الأضرار وإعداد ملف ترافعي في الموضوع، غير أن جوهر الإشكال لا يتعلق فقط بالتتبع السياسي، بل بمدى قدرة المؤسسات المعنية على إرساء منظومة حكامة بيئية حقيقية، تمنع تكرار مثل هذه الاختلالات قبل وقوعها، لا بعد تفاقم آثارها.
إن ما يحدث في واحة تودغى ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر على إشكال أوسع يتعلق بطريقة تدبير المجالات الطبيعية الحساسة في المغرب، حيث تتقاطع المشاريع التنموية مع هشاشة البيئة، في غياب أحياناً لتنسيق صارم يوازن بين التنمية والحماية.
وفي انتظار توضيحات رسمية ومعالجة تقنية عاجلة، تبقى واحة تودغى أمام اختبار صعب: إما أن تُعامل كتراث طبيعي يجب صونه وفق مقاربات دقيقة، أو أن تظل عرضة لتدخلات متفرقة تُراكم الأضرار بصمت، إلى أن يصبح التدهور واقعاً لا يمكن إصلاحه بسهولة.
تعليقات الزوار