هبة زووم – زاكورة
في وقت تُعلن فيه السلطات عن تخصيص 630 مليون درهم لتأهيل وتهيئة واحات زاكورة خلال الفترة 2026-2029، يقاطع فلاحون صغار أشغال الملتقى الوطني الأول للواحات، محتجين على تأخر الطلقات المائية بوادي درعة الذي يهدد استمرارية نمو النخيل مصدر عيش الساكنة.
مشهد لا يُثير فقط استياء المهنيين، بل يطرح سؤالاً مُحرِجاً: إذا كانت الواحات تستحق استثماراً ضخماً، فلماذا تُترك مياه درعة مقطوعة بينما تُوقع اتفاقيات الشراكة تحت أضواء الاحتفال؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل إنقاذ التراث من أولوية ميدانية إلى خطاب احتفالي تحت غطاء التقائية التدخلات؟
فبينما يُراهن المسؤولون على خمسة محاور تقنية وميزانية 120 مليون درهم للسنة الأولى، يجد الفلاح نفسه أمام واقع كارثي: نخيل يذبل، ومياه تُحبس، وجفاف يتوالى، سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث التناقض بينما يُترك المواطن يتفرج على تراثه وهو يموت أمام عينيه تحت غطاء الخطابات الرنانة؟
وفي هذا الإطار، شهدت زاكورة توقيع اتفاقية شراكة لتنفيذ برنامج يهدف إلى حماية الواحات الممتدة على 26 ألف هكتار، موزعة على 25 جماعة ترابية، عبر خمسة محاور: تأهيل النظم البيئية، تثمين الموارد المائية، تثمين المنتجات المحلية، برامج المواكبة والتحسيس.
أرقام تبدو مبهرة في العروض الرسمية، لكنها في واقع الفلاح الصغير قد تتحول إلى وعود مؤجلة إذا لم تُرافق بإجراءات ميدانية عاجلة.
فتحويل إنقاذ الواحات من أزمة مائية عاجلة إلى برنامج تأهيل طويل الأمد لا يُهدر فقط فرص إنقاذ التراث، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة البروتوكول على شرف الإنقاذ.
وفي هذا السياق، أعلن عدد من الفلاحين الصغار مقاطعتهم لأشغال الملتقى الوطني للواحات، تعبيرا عن استيائهم من تأخر الطلقات المائية بوادي درعة في وقت تعيش فيه الواحات وضعا بيئياً وفلاحياً كارثياً، حيث يصف الفلاحون هذا التناقض بالمقاربة الصادمة بين الخطاب الرسمي الإيجابي والمعاناة اليومية.
فتحويل الحوار الترابي من فضاء استماع إلى منصة خطابية لا يُهدر فقط فرص الإصلاح، بل يُعمّق شعور الفلاحين بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من شريك في الإنقاذ إلى حارس للبروتوكول.
ويعتمد البرنامج على آلية التقائية التدخلات، وهي مقاربة تهدف إلى تنسيق مجهودات مختلف الشركاء لضمان نجاعة المشاريع الميدانية، شعار يبدو مثالياً في البلاغات الرسمية، لكنه في واقع التدبير المغربي قد يتحول إلى ذريعة للتشتت إذا لم يُرافق بقيادة موحدة وآليات تنفيذ واضحة.
ويؤكد الفلاحون المقاطعون أن تنظيم تظاهرات في مثل هذه الظرفية لا يعكس حقيقة الوضع، بل يُكرس نوعاً من الانكار للواقع، سؤال يطرح إشكاليات حول توقيت الاحتفالات: لماذا يُنظم ملتقى وطني للاحتفاء بالواحات بينما النخيل نفسه يذبل عطشاً؟
هذا الانزياح في مفهوم الأولويات يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تُعلن السلطات عن خطة طوارئ مائية عاجلة لإنقاذ النخيل، بدلاً من الاكتفاء ببرامج تأهيل طويلة الأمد؟ وأين هي آلية التضامن المائي التي تضمن توزيعاً عادلاً لمياه وادي درعة بين الفلاحين في فترات الجفاف؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في خطاب الإنقاذ بينما يجد واحات مدينته تُهدد بالاندثار دون أي إجراء استعجالي؟
فلم يعد مقبولاً أن تُترك واحات زاكورة رهينة الخطابات الاحتفالية وصمت الاستعجال، وما يحتاجه الفلاحون والمهتمون بالشأن البيئي اليوم هو: إطلاق فوري لخطة طوارئ مائية لإطلاق الطلقات العاجلة بوادي درعة، قبل أي برنامج تأهيل طويل الأمد، اعتماد آلية حوار مباشر مع الفلاحين الصغار، لضمان أن أي برنامج وطني لا يُناقض حاجات الميدان، نشر جدول زمني شفاف لتنفيذ محاور البرنامج، مع مؤشرات أداء قابلة للقياس الميداني، مع تفعيل هيكل قيادي موحد يُشرف على تقائية التدخلات، لضمان تنسيق فعلي لا شعارات إدارية.
ما تعيشه زاكورة اليوم مع ملف واحات درعة ليس أزمة ظرفية عادية، بل هو اختبار وجودي لمصداقية السياسات البيئية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية البروتوكول لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود الإنقاذ من كلمات في اتفاقية إلى إجراءات ميدانية عاجلة، مع إرادة سياسية حقيقية وتضامن فعلي، وإما أن تستمر ثقافة الانكار التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لإنقاذ التراث إلى مغنم للاحتفال وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على حماية واحاتهم من الاندثار.
تعليقات الزوار