68 مليون للنفايات وعشرات القرارات العقارية.. هل يتجه مجلس البيضاء نحو إصلاح فعلي أم إعادة تدوير الاختلالات؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
تدخل جماعة الدار البيضاء غمار دورتها العادية لشهر ماي 2026 بجدول أعمال يبدو، من حيث الشكل، ثرياً ومتشعباً، لكنه من حيث الجوهر يثير أكثر مما يجيب من الأسئلة.
فوفرة النقاط المدرجة لا تعكس بالضرورة قوة في التدبير، بقدر ما تكشف عن حالة تضخم إداري بات يطبع عمل المجلس، ويعيد إنتاج نفس الاختلالات تحت عناوين مختلفة.
أكثر من خمسين نقطة موزعة على محاور المالية، التعمير، الاتفاقيات، والمرافق.. رقم كفيل بإغراق أي نقاش جدي، وتحويل الدورة إلى سباق تقني مع الزمن بدل أن تكون لحظة سياسية للمحاسبة والتقييم، هنا يطرح السؤال بحدة: هل المجلس بصدد اتخاذ قرارات مدروسة، أم مجرد تمرير ملفات متراكمة دون تمحيص حقيقي؟
في الشق المالي، تبرز برمجة 68 مليون درهم لمركز طمر وتثمين النفايات كأحد أبرز القرارات، غير أن هذا الرقم، مهما بدا مهماً، لا يمكن فصله عن سجل المدينة في تدبير هذا القطاع، حيث ظلت أزمة النفايات عنواناً دائماً للفشل في تحقيق حلول مستدامة، فهل نحن أمام قطيعة مع الماضي، أم إعادة تدوير لنفس السياسات التي استنزفت المال العام دون نتائج تُذكر؟
أما في محور التعمير، فيتحول جدول الأعمال إلى ما يشبه “بازاراً عقارياً” مفتوحاً، عنوانه الأبرز: نزع الملكيات، التفويتات، وتصحيح “الأخطاء المادية”.
تكرار التعديلات على نفس المقررات يكشف بوضوح خللاً في التخطيط وارتباكاً في اتخاذ القرار، حيث تُصاغ السياسات على عجل، ثم يُعاد ترميمها داخل نفس المجلس، في مشهد يعكس غياب رؤية استراتيجية متماسكة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الزخم في القرارات العقارية يطرح مخاوف حقيقية بشأن التوازن بين المصلحة العامة وحقوق المواطنين، خاصة في ظل غياب تواصل واضح وشفاف يشرح خلفيات هذه الاختيارات وتداعياتها.
في المقابل، يتعزز حضور شركات التنمية المحلية بشكل لافت، إلى درجة يكاد معها المجلس يفقد زمام المبادرة لصالح هذه الكيانات. فالتفويض المتكرر لمهام التدبير والتتبع يطرح تساؤلات جوهرية: هل المجلس يمارس سلطته فعلياً، أم أصبح مجرد غرفة تسجيل لقرارات تُعد خارج فضائه المؤسساتي؟
إحداث شركة جديدة لتدبير المحطات الطرقية يعيد بدوره طرح نفس الإشكال، خاصة في ظل الفوضى التي تعرفها هذه المرافق حالياً. فبدل تقييم التجارب السابقة واستخلاص الدروس، يبدو أن المقاربة المعتمدة تكرر نفس النموذج مع تغيير الأسماء فقط.
وسط كل هذا، يغيب النقاش الحقيقي حول الأثر الملموس لهذه القرارات على حياة المواطنين. فلا النقل تحسن بالشكل المطلوب، ولا الفضاءات الحضرية استعادت توازنها، ولا الخدمات الأساسية ارتقت إلى مستوى انتظارات الساكنة، وهو ما يجعل من هذه الدورة، رغم ثقل جدول أعمالها، محطة شكلية أكثر منها لحظة حاسمة في مسار الإصلاح.
إن ما تحتاجه الدار البيضاء اليوم ليس مزيداً من القرارات، بل قرارات ذات معنى. ليست كثرة المشاريع، بل جودة التنفيذ. وليس تضخيم الأرقام، بل وضوح الأثر.
دورة ماي تضع المجلس أمام امتحان حقيقي: إما القطع مع منطق التدبير الكمي الذي يغرق المدينة في دوامة “القرارات بلا نتائج”، أو الاستمرار في نفس النهج، بما يعنيه ذلك من تعميق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسساته المنتخبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد