هبة زووم – فاس
تتفاقم بمدينة فاس ظاهرة استغلال الرضع والأطفال في التسول، في مشهد يثير القلق ويطرح تساؤلات عميقة حول حدود الحماية الاجتماعية، ومسؤولية مختلف الفاعلين في مواجهة هذا النزيف الإنساني.
في قلب الأزقة وأمام المساجد والمقاهي، لم يعد مشهد النساء وهن يحملن رضّعاً في وضعيات توحي بالبؤس أمراً عابراً، بل أصبح جزءاً من واقع يومي، تُستدرّ به عواطف المارة.
غير أن ما يبدو ظاهرياً تعبيراً عن الحاجة، يخفي في كثير من الحالات ممارسات خطيرة، من بينها استعمال أدوية مهدئة لإبقاء الرضع في حالة خمول دائم، ما يهدد نموهم الجسدي والعقلي على المدى الطويل.
وتشير معطيات متداولة إلى أن الأطفال يشكلون الحلقة الأضعف في هذه الظاهرة، حيث يتم استغلالهم إما من طرف أسرهم تحت ضغط الفقر، أو من قبل شبكات منظمة تقوم بتوزيعهم على نقاط محددة، وفق منطق “تقسيم النفوذ” داخل الفضاءات العمومية.
ولا يقتصر الأمر على التسول المباشر، بل يمتد إلى أشكال أخرى من الاستغلال، كدفع الأطفال إلى بيع سلع بسيطة في الشوارع، في واجهة توحي بالعمل، لكنها في العمق لا تخرج عن دائرة الاقتصاد غير المهيكل واستغلال الطفولة.
هذا الواقع يضع هؤلاء الأطفال أمام مخاطر متعددة، تبدأ من الحرمان من التعليم والتعرض للهدر المدرسي، ولا تنتهي عند احتمالات الاستغلال الجسدي أو الجنسي أو الزج بهم في شبكات إجرامية، ما يكرّس دورة مغلقة من الفقر والتهميش.
ويرى متتبعون أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في بعدها الاجتماعي فقط، بل تتقاطع فيها عوامل متعددة، تتوزع بين هشاشة الأسرة، وضعف الوعي، وغياب تدخلات ناجعة للحد من الشبكات التي تستغل الأطفال بشكل ممنهج.
كما يطرح تفاقم هذه الممارسات سؤال فعالية السياسات العمومية في مجال حماية الطفولة، ومدى قدرة الأجهزة المختصة على رصد هذه الحالات والتدخل لحماية الضحايا، خاصة في ظل طابعها “الصامت” الذي يجعلها أقل ظهوراً من غيرها من الظواهر الاجتماعية.
وبين مسؤولية الأسرة، ودور المجتمع، وحدود تدخل الدولة، يبقى الطفل هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة المختلة، حيث يتحول من كائن يحتاج إلى الرعاية والحماية، إلى وسيلة لجني المال في شوارع لا ترحم.
إن ما يحدث في فاس ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل جرس إنذار يدق بقوة، يفرض تحركاً عاجلاً وشاملاً، يعيد الاعتبار لحقوق الطفولة، ويضع حداً لاستغلالها في أبشع صوره.
تعليقات الزوار