من فرانكو إلى الإسلاميين.. الكنبوري يضع أصبعه على مفارقات العلاقة بالدين في العالم العربي

هبة زووم – الرباط
في تدوينة لافتة، تناول الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة، مبرزًا تأثير التاريخ السياسي على التصورات الاجتماعية تجاه الدين في سياقات مختلفة.
وفي مقارنته بين إسبانيا و العالم العربي، فتح الكنبوري نقاشًا عميقًا حول تأثيرات الكنيسة في إسبانيا في عهد فرانسيسكو فرانكو على التدين في المجتمع الإسباني، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة تُعيد تشكيل مواقف الناس تجاه الدين بطرق تُقارن بتحديات مشابهة في المجتمعات العربية.
وبدأ النقاش مع الكنبوري الذي يشير إلى أن إسبانيا شهدت تراجعًا ملحوظًا في الإقبال على التعليم الديني في المدارس، ويرجع السبب في ذلك إلى تحالف الكنيسة مع النظام الاستبدادي للجنرال فرانسيسكو فرانكو، حيث كانت الكنيسة جزءًا لا يتجزأ من آلة القمع السياسي التي أرهبت الشعب الإسباني.
هذا التأثير السياسي ألصق الدين المسيحي بالممارسات الاستبدادية للنظام، مما دفع العديد من الإسبان إلى التخلي عن الدين في سياق تعبيراتهم التربوية والاجتماعية.
إلا أن الكنبوري يرى أن هذا النفور من الدين ليس نهاية الطريق بالنسبة للإسبان، فهو يعتبر أن الدين الإسباني رغم العزوف عنه في التعليم، لا يزال حاضرًا في المناسبات الاحتفالية والطقوس الاجتماعية، التي تحولت إلى نوع من العلمنة أو إخراج الدين من الكنيسة إلى الفضاء العام.
وينتقل الكنبوري إلى العالم العربي ليعقد مقارنة بين تجارب إسبانيا و الواقع العربي، فبينما يشير إلى التخلي الإسباني عن الدين، يؤكد أن الدين في المجتمعات العربية لا يزال يمثل الوسيلة الرئيسية للتعبير عن الغضب الاجتماعي، فبدلاً من اللجوء إلى الأحزاب السياسية، يلجأ المواطن العربي إلى المفاهيم الدينية مثل الفساد والمنكر والظلم للتعبير عن احتجاجاته.
الكنبوري يشير إلى أن هذه الظاهرة تظهر العجز السياسي في استخدام الخطاب الحزبي لتوجيه الناس نحو حلول سياسية محضة، ما يدفع إلى استمرار الدين كأداة رئيسية في التعبير الاجتماعي.
هذا، ويشير إلى أن الدين في العالم العربي قد لا يكون مقتصرًا على الممارسات الفردية فقط، بل يمتد ليكون مرجعية اجتماعية ذات تأثير سياسي وجماهيري عميق.
في الجزء الأخير من تدوينته، ينتقد الكنبوري الخلط بين الدين والسياسة، مشيرًا إلى أن الكثير من المفكرين يخلطون بين الإسلام كدين و الإسلاميين كحركة سياسية.
هذه النظرة، كما يراها الكنبوري، تؤدي إلى تسطيح الواقع وفهمه بشكل أحادي الجانب. ففي حين أن الدين في الإسلام لم يكن مؤسسة مركزية كالكنيسة المسيحية في أوروبا، فإن الإسلاميين قد ساهموا في خلق هذا الخلط عبر توظيف الدين في الصراعات السياسية.
الكنبوري يدعو إلى الفصل بين الدين والسياسة في المجتمعات الإسلامية، بحيث يتم تفكيك الرابط السياسي بين الإسلام و الإسلاميين، ويجب على المفكرين والمثقفين أن يتجنبوا التبسيط في فهم الدين وعلاقته بالسلطة.
وفي ختام تدوينته، يتطرق الكنبوري إلى محاولات العلمنة في المجتمعات العربية، حيث يتم تغيير المصطلحات الدينية وتحويلها إلى مفاهيم أكثر حداثة، مثل تحويل الزنا إلى حريات فردية أو الطلاق إلى انفصال.
ورغم هذا التحول، يلاحظ الكنبوري أن المفاهيم الدينية لا تزال حاضرة في الخطاب الاجتماعي، وهو ما يفسر استمرار تأثير الحركات الإسلامية في المجتمعات العربية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد