هبة زووم – محمد خطاري
يبدو أن الانتقادات التي تلاحق أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، لم تعد مجرد مواقف معزولة تصدر عن المعارضة، بل تحولت إلى قناعة تتسع حتى داخل مكونات الأغلبية الحكومية نفسها، في مشهد سياسي يكشف حجم الإحراج الذي بات يطوق واحداً من أكثر القطاعات حساسية في زمن الرقمنة والتحول التكنولوجي.
فخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، الإثنين، لم يتردد عبد العزيز لشهب، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، في توجيه انتقاد مباشر وقاس للوزيرة، حين قال بصريح العبارة: “إذا كان هناك من قطاع يعرف فشلاً تدبيرياً ذريعاً فهو القطاع الذي تشرفين عليه”، وهي خرجة سياسية غير مسبوقة من داخل الأغلبية، تعكس بوضوح حجم التذمر من أداء الوزارة وعجزها عن تنزيل الوعود التي رفعتها الحكومة منذ بداية ولايتها.
كلام البرلماني الاستقلالي لم يكن مجرد مزايدة سياسية عابرة، بل جاء محملاً برسائل قوية مرتبطة بواقع يعيشه ملايين المغاربة، خاصة في العالم القروي، حيث لا تزال مناطق واسعة خارج التغطية الرقمية الحقيقية، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن “التحول الرقمي” و”الإدارة الذكية” و”المغرب الرقمي”.
المفارقة الصادمة أن وزارة الانتقال الرقمي تروج باستمرار لبرامج واستراتيجيات ضخمة، بينما تكشف الوقائع اليومية أن جزءاً كبيراً من المغاربة ما زالوا عاجزين حتى عن الحصول على شبكة هاتف مستقرة أو ولوج طبيعي للإنترنت، وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أي انتقال رقمي هذا الذي تتحدث عنه الحكومة، بينما ما تزال قرى ومداشر بأكملها تعيش عزلة تكنولوجية خانقة؟
لقد تحولت الرقمنة في الخطاب الحكومي إلى شعار فضفاض يستهلك كثيراً من البلاغات والتصريحات، لكنه يصطدم على الأرض بواقع إداري متآكل، وبنيات تحتية هشة، وفجوة رقمية صارخة بين المدن الكبرى والعالم القروي، وهي فجوة لا تعني فقط ضعف الخدمات، بل تعمق أيضاً التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتحرم آلاف المواطنين من فرص التعليم والخدمات والإدارة الرقمية التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الانتقادات الموجهة للسغروشني لم تعد مرتبطة فقط ببطء الإصلاح أو تعثر المشاريع، بل امتدت إلى اتهامات متكررة بسوء التواصل وضعف الحضور السياسي والتدبيري، حتى أصبح القطاع، بالنسبة لكثير من البرلمانيين، عنواناً على ارتباك حكومي واضح في تدبير ملف استراتيجي يفترض أن يكون في قلب النموذج التنموي الجديد.
ويبدو أن الوزيرة، التي دخلت الحكومة خلال تعديل 2024، لم تنجح إلى حدود الساعة في بناء صورة قوية لقطاعها، ولا في إقناع الرأي العام بأن هناك تحولاً رقمياً حقيقياً يجري على الأرض، خصوصاً مع استمرار شكاوى المواطنين من تعقيد المساطر الإدارية، وضعف الخدمات الرقمية، وتعطل المنصات الإلكترونية، وغياب العدالة الرقمية بين الجهات.
إن التحول الرقمي لا يقاس بعدد التطبيقات والمنصات التي يتم إطلاقها في الندوات الرسمية، بل بمدى قدرة المواطن البسيط، سواء في المدينة أو القرية، على الولوج السلس إلى الخدمات الأساسية دون معاناة أو تهميش، أما حين تتحول الرقمنة إلى مجرد واجهة دعائية تخفي أعطاب الإدارة والبنيات التحتية، فإن الأمر يصبح أقرب إلى تسويق الوهم منه إلى صناعة إصلاح حقيقي.
واليوم، بعدما أصبحت الانتقادات تأتي حتى من داخل الأغلبية، تجد الحكومة نفسها أمام امتحان صعب: إما الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الإنجاز الفعلي، أو الاستمرار في إنتاج خطاب رقمي جميل فوق واقع تنموي هش لا يزال بعيداً عن طموحات المغاربة.
تعليقات الزوار