حكومة أخنوش ترفع الراية البيضاء والمنح الجامعية يحيلها وزير التعليم العالي على “المحسنين”

هبة زووم – محمد خطاري
في تصريح أثار الكثير من الجدل والاستغراب داخل الأوساط الجامعية والسياسية، بدا وكأن حكومة الحكومة المغربية تعلن بشكل غير مباشر عجزها عن ضمان أحد أبسط الحقوق الاجتماعية للطلبة، بعدما كشف عز الدين ميداوي أن تعميم المنح الجامعية أو الرفع من قيمتها يصطدم بإكراهات الميزانية، داعياً بشكل غير مسبوق إلى مساهمة “المحسنين” والفاعلين الخواص والجماعات الترابية في تمويل الخدمات الاجتماعية الموجهة للطلبة.
تصريحات الوزير، التي جاءت خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، حملت في طياتها اعترافاً صريحاً بفشل الدولة في تحمل مسؤوليتها الكاملة تجاه قطاع التعليم العالي، حين اعتبر أن القانون الجديد 59.24 فتح الباب أمام الأفراد والجماعات والسياسيين للمساهمة في دعم الطلبة، واصفاً ذلك بـ”الصدقة الجارية”.
ما أثار استغراب المتابعين ليس فقط حديث الوزير عن محدودية الميزانية، بل انتقال الخطاب الرسمي من منطق “الحق” إلى منطق “الإحسان”، وكأن تمويل المنح الجامعية لم يعد التزاماً اجتماعياً للدولة، بل أصبح رهيناً بكرم المحسنين والجمعيات والجهات المنتخبة.
ويرى منتقدون أن هذا التصور يشكل تراجعاً خطيراً عن مفهوم الدولة الاجتماعية الذي تم الترويج له لسنوات، خاصة وأن المنحة الجامعية ليست امتيازاً أو “هبة خيرية”، بل وسيلة لضمان تكافؤ الفرص ومواجهة الهدر الجامعي والفوارق الاجتماعية التي تدفع آلاف الطلبة إلى مغادرة الدراسة بسبب الفقر والهشاشة.
تصريحات ميداوي أعادت إلى الواجهة الانتقادات الموجهة لما يسمى بـ”حكومة الكفاءات”، التي وعدت بإصلاحات عميقة في القطاعات الاجتماعية، قبل أن تجد نفسها اليوم عاجزة حتى عن توفير الحد الأدنى من الدعم لفئة الطلبة.
ففي الوقت الذي تتزايد فيه تكاليف المعيشة والسكن والتنقل، يجد آلاف الطلبة المغاربة أنفسهم أمام واقع اجتماعي قاسٍ، حيث أصبحت المنحة الجامعية بالنسبة لكثير من الأسر شرطاً أساسياً لاستمرار الأبناء في الدراسة، وليس مجرد دعم إضافي.
غير أن الوزير بدا وكأنه يهيئ الرأي العام للتطبيع مع فكرة تقليص دور الدولة، عبر تحميل المجتمع والفاعلين المحليين جزءاً من مسؤولية تمويل التعليم العالي، في خطوة اعتبرها متابعون “هروباً من المسؤولية السياسية”.
ورغم إقرار الوزير بأن إشكالية الهدر الجامعي لا ترتبط فقط بالجانب المادي، إلا أن عدداً من المتابعين يعتبرون أن ضعف الدعم الاجتماعي يبقى أحد الأسباب الرئيسية وراء تفاقم الانقطاع عن الدراسة داخل الجامعات المغربية.
فالطالب الذي يعاني من تكاليف الكراء والنقل والكتب والتغذية، لا يحتاج إلى خطابات عن “الصدقة الجارية”، بقدر ما يحتاج إلى سياسة عمومية واضحة تضمن له الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والكرامة داخل الجامعة.
كما أن الحديث عن “التدرج” في تعميم المنح وإعادة النظر في معايير الاستفادة، يثير بدوره مخاوف واسعة من تقليص عدد المستفيدين أو تشديد شروط الولوج، في وقت تزداد فيه معدلات الفقر والهشاشة لدى الأسر المغربية.
ويرى مراقبون أن أزمة المنح ليست سوى انعكاس لأزمة أعمق يعيشها قطاع التعليم العالي، الذي يعاني من الاكتظاظ وضعف البنيات الجامعية وقلة الأحياء الجامعية وغياب رؤية إصلاحية واضحة قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
فحين تصبح الدولة عاجزة عن تمويل الطلبة، وتلجأ إلى منطق الإحسان لسد الخصاص، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط حول المنح الجامعية، بل حول مستقبل الجامعة العمومية نفسها، وحدود قدرة الحكومة على حماية الحق في التعليم كحق دستوري وليس كعمل خيري موسمي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد