55 مليون درهم بتاونات.. هل تصنع “التنمية البشرية” واقعاً جديداً أم مجرد أرقام للاستهلاك الإداري؟

هبة زووم – تاونات
رغم الأرقام الضخمة التي جرى الإعلان عنها خلال اجتماع اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية بإقليم تاونات، يوم الأربعاء 13 ماي الجاري، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة وسط الساكنة والمتتبعين يبقى: هل تحولت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية فعلاً إلى رافعة حقيقية للتغيير، أم أنها ما تزال تدور في حلقة المشاريع الموسمية التي تُستهلك في البلاغات الرسمية أكثر مما تُترجم إلى أثر ملموس على أرض الواقع؟
مصادقة اللجنة الإقليمية على 113 مشروعاً وعملية تنموية بكلفة تناهز 55 مليون درهم تبدو، ظاهرياً، رقماً ضخماً يحمل الكثير من الوعود، غير أن التجارب السابقة تجعل الشارع المحلي أكثر حذراً في التعامل مع لغة الأرقام والشعارات الجاهزة، خاصة في إقليم ما تزال مناطق واسعة منه تعاني الهشاشة والعزلة وضعف البنيات الأساسية، رغم مرور سنوات طويلة على إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
فالحديث عن مشاريع الطرق والمسالك والتزود بالماء والكهرباء لم يعد كافياً لإقناع المواطنين، لأن هذه الخدمات تُعتبر في الأصل من أبسط الحقوق الأساسية، وليست امتيازات استثنائية تستوجب كل هذا الاحتفاء الإداري والإعلامي.
كما أن تكرار نفس العناوين في كل دورة يثير تساؤلات حقيقية حول مدى نجاعة هذه البرامج، وحول أسباب استمرار الخصاص رغم الملايير التي صُرفت خلال السنوات الماضية.
الأكثر إثارة للانتباه أن البرنامج الرابع المتعلق بـ”الدفع بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة” استحوذ على النصيب الأكبر من المشاريع، وهو أمر يطرح بدوره علامات استفهام حول طبيعة هذه المشاريع ومعايير تقييم أثرها الحقيقي، خصوصاً أن عدداً من الشباب في الإقليم ما يزالون يواجهون البطالة والهجرة القسرية وغياب فرص الإدماج الاقتصادي الفعلي.
أما البرنامج الخاص بتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، فقد اقتصر على مشروعين فقط، وهو رقم يبدو صادماً مقارنة بحجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإقليم، وكأن خلق فرص الشغل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي للشباب لم يعد أولوية حقيقية داخل فلسفة التدبير المحلي.
وفي الوقت الذي تُعلن فيه الأرقام الكبيرة داخل القاعات الرسمية، ما تزال ساكنة عدد من المناطق الجبلية بتاونات تقطع الكيلومترات للوصول إلى خدمات صحية وتعليمية متدهورة، بينما تتحول بعض المشاريع، وفق انتقادات فاعلين محليين، إلى مجرد عمليات ترقيعية أو مبادرات ظرفية تفتقد للاستدامة والنجاعة.
المشكل اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الاعتمادات المالية، بل بكيفية صرفها، وآليات تتبعها، ومدى احترام معايير الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم البلاغات، بل بقدرة المواطن على الشعور بتحسن فعلي في جودة عيشه.
وبين لغة “المصادقة على المشاريع” وواقع الانتظارات الثقيلة للساكنة، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق الأرقام إلى منطق النتائج، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه برامج التنمية ليس نقص التمويل، بل فقدان ثقة المواطنين في جدواها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد