هبة زووم – علال الصحراوي
ليست هيبة الدولة في عدد القوانين ولا في كثرة المذكرات والدوريات، بل في ثبات القاعدة القانونية وقابليتها للتطبيق على الجميع دون تمييز.
فحين يشعر المواطن في مراكش أن القانون يُطبَّق عليه بصرامة، بينما يُؤوَّل أو يُعطَّل أو يُلتفّ عليه في حالات أخرى، فإن ما يتآكل ليس نصًا قانونيًا فقط، بل الثقة في المؤسسات.
في هذا السياق، يتعاظم الجدل حول رخص الاستثناء التي تحوّلت، في عهد العمدة فاطمة الزهراء المنصوري، من آلية قانونية محدودة ومشروطة إلى منطق تدبير شبه دائم، يُفرغ القاعدة العامة من مضمونها، ويخلق واقعًا إداريًا ملتبسًا، تُطبَّق فيه القوانين بميزانين.
في الأصل، لم تُحدث رخص الاستثناء لتجاوز القانون، بل لمعالجة حالات خاصة وطارئة لا يحتمل فيها التطبيق الحرفي للنص. هي إجراء مؤقت، معلل، ومحدود زمنيًا، يخضع للمراقبة والمساءلة.
غير أن الممارسة على مستوى مراكش أفرزت انزلاقًا خطيرًا: استثناءات تُمنح دون تعليل كافٍ، دون تحديد سقف زمني واضح، ودون تتبع أو تقييم للأثر.
هنا، يتحول الاستثناء من أداة تصحيح إلى آلية تطبيع مع الخرق، ويصبح القانون نفسه قابلاً للتأويل حسب الموقع أو النفوذ أو الظرف.
تحويل الاستثناء إلى قاعدة لا يمر دون ثمن، فهو يخلق شعورًا عامًا بالحيف، ويضرب مبدأ المساواة أمام القانون، ويُنتج مدينة بسرعتين: واحدة تخضع للنص، وأخرى تتجاوزه “بترخيص”.
وهو ما يضعف الاستثمار الجاد، ويشوّه صورة التدبير الحضري، ويجعل المواطن في مواجهة إدارة لا يمكن التنبؤ بقراراتها، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة القانون.
التدبير المحلي ليس مجالًا للمرونة غير المحسوبة، ولا للقرارات التي تُرضي ظرفًا وتُربك منظومة. فحين يُفرّغ الاستثناء من شروطه القانونية، يصبح القرار السياسي عبئًا على القانون بدل أن يكون في خدمته.
وما يُؤخذ اليوم على تدبير العمدة المنصوري، ليس فقط كثرة اللجوء إلى الاستثناء، بل غياب إشارات واضحة تفيد بأن القاعدة هي الأصل، وأن الاستثناء يظل استثناءً لا غير.
أمام هذا الوضع، تبرز مسؤولية الوالي باعتباره الضامن الأول لتطبيق القانون وحسن سير المرافق العمومية. فالتدخل اليوم لم يعد خيارًا إداريًا، بل ضرورة مؤسساتية لإعادة الأمور إلى نصابها.
المطلوب ليس إلغاء رخص الاستثناء، بل: توحيد معايير منحها، تقييدها بزمن وتعليل واضح، إخضاعها للمراقبة والمساءلة، مع وقف كل توظيف يُفرغ القانون من مضمونه
مراكش، بما لها من رمزية تاريخية وسياحية، لا يمكن أن تُدار بمنطق “الاستثناء الدائم”. فالدولة القوية لا تخاف من تطبيق القانون، بل تخاف من تآكله بصمت.
اليوم، الكرة في ملعب السلطة الترابية لتصحيح الاختلال، واستعادة منطق القاعدة، قبل أن يصبح الاستثناء عرفًا غير مكتوب، وتصبح هيبة القانون مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.
تعليقات الزوار