هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ليفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل بنية الدولة المغربية، والمتعلق بما وصفه بـ”المخلدين في المناصب”، في تدوينة لاذعة حملت انتقاداً مباشراً لاستمرار عدد من المسؤولين السامين في مواقعهم لعقود طويلة، إلى درجة باتت معها بعض المؤسسات تُدار بعقلية “الإقطاعيات” لا بمنطق التداول والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
اليحياوي، الذي دأب في تدويناته الأخيرة على تشريح أعطاب الدولة والاقتصاد والسياسة، اختار هذه المرة أن يوجه سهامه نحو ما يعتبره “جموداً مزمناً” داخل هرم الإدارة العليا، متسائلاً بمرارة: كيف يمكن لمسؤولين عُينوا منذ نهاية التسعينيات وبداية الألفية أن يستمروا في مواقعهم إلى اليوم، دون أن يظهر بديل أو يُطرح سؤال التقييم والمحاسبة أو حتى التداول الطبيعي على المسؤولية؟
وسرد الباحث سلسلة من الأسماء والمؤسسات التي ظل مسؤولوها في مواقعهم لما يقارب ربع قرن، من الإذاعة والتلفزة إلى المكتب الشريف للفوسفاط، ومن بنك المغرب إلى السكك الحديدية ومجلس الجالية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، معتبراً أن الأمر تجاوز مجرد الاستمرارية الإدارية، ليصبح نمطاً بنيوياً يعكس “تكلساً” داخل دواليب الدولة.
وبلغة ساخرة وحادة، أشار اليحياوي إلى أن التبريرات المقدمة عادة لاستمرار هؤلاء المسؤولين تتمحور حول كونهم “أهل ثقة وولاء”، وأن خبرتهم المتراكمة تجعل تعويضهم أمراً مستحيلاً، قبل أن يرد بشكل ضمني على هذا المنطق بالتساؤل: هل توقفت البلاد فعلاً عن إنتاج الكفاءات؟ وهل جفت الجامعات والإدارات ومراكز التكوين من أطر قادرة على تحمل المسؤولية؟
ويبدو أن ما يزعج اليحياوي ليس فقط طول مدة البقاء في المناصب، بل ما ينتج عنها من تضخم للنفوذ وتحول بعض المؤسسات إلى ما يشبه “الملكيات الخاصة”، حيث يصبح المسؤول فوق التداول، وفوق التقييم، بل وفوق الزمن نفسه، في مشهد يضرب في العمق كل الشعارات المرتبطة بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتكافؤ الفرص.
ويرى متابعون أن إثارة هذا الملف تعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول طبيعة النخب المسيرة في المغرب، وحدود تجديدها، ومدى قدرة الدولة على خلق دينامية مؤسساتية تسمح بضخ دماء جديدة داخل مواقع القرار، بدل إعادة تدوير نفس الوجوه لعقود طويلة.
كما يطرح استمرار بعض المسؤولين في مناصبهم كل هذه السنوات أسئلة محرجة حول تقييم الحصيلة والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في قطاعات شهدت اختلالات وأزمات متكررة، دون أن يؤدي ذلك إلى أي تغيير على مستوى القيادة أو التدبير.
وفي أكثر مقاطع تدوينته قسوة، اعتبر اليحياوي أن بعض هؤلاء المسؤولين “لم يعودوا يديرون قطاعات معينة، بل أضحوا أصحاب إقطاعيات”، قبل أن يطلق توصيفاً صادماً بقوله إنهم قد يصبحون يوماً ما “فراقشية المناصب العليا”، في استعارة تختزل حجم الاحتقان المتنامي تجاه احتكار مواقع النفوذ داخل الدولة.
وبين من يعتبر الاستمرارية ضماناً للاستقرار، ومن يرى فيها تكريساً للجمود واحتكار القرار، يواصل ملف “المخلدين في المناصب” إثارة جدل واسع، خاصة في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بضخ نفس جديد داخل مؤسسات الدولة، وربط المسؤولية فعلياً بالمحاسبة، لا بتحويل المناصب إلى امتيازات دائمة لا تنتهي إلا بـ”الخرف أو القبر”، كما قال اليحياوي.
تعليقات الزوار