هبة زووم – الرباط
في قرار وصفته الأوساط النقابية والحقوقية بـ”التاريخي”، أصدرت محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، رأياً استشارياً قوياً يؤكد أن حق الإضراب مكفول ضمنياً للأجراء والمنظمات النقابية بموجب الاتفاقية الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي.
القرار، الذي صدر بأغلبية 10 قضاة مقابل 4، لم يكن مجرد رأي قانوني عابر، بل شكل تحولا نوعيا في معركة دولية طويلة بين الحركة النقابية العالمية من جهة، وأرباب العمل وبعض الحكومات التي سعت لسنوات إلى تقليص الحق في الإضراب وتفريغه من مضمونه من جهة أخرى.
وفي المغرب، جاء هذا القرار كصفعة قانونية وسياسية لكل المقاربات التي حاولت تمرير قوانين تنظيمية وُصفت من طرف النقابات بأنها “تكبيلية” و”زجرية”، وعلى رأسها القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط ممارسة حق الإضراب، والذي أثار منذ ظهوره موجة غضب واسعة داخل الأوساط النقابية والحقوقية.
وفي هذا السياق، اعتبر الاتحاد المغربي للشغل أن قرار محكمة العدل الدولية يمثل انتصاراً تاريخياً للحركة النقابية وللطبقة العاملة، ليس فقط لأنه أعاد التأكيد على الطابع الكوني لحق الإضراب، ولكن لأنه كشف أيضاً حجم التناقض الذي تعيشه بعض الحكومات، التي تتغنى في المحافل الدولية بالحريات والحقوق، بينما تعمل داخلياً على محاصرة العمل النقابي وتجريم الاحتجاجات الاجتماعية عبر قوانين مفصلة على المقاس.
فالواقع اليوم يؤكد أن عدداً من الحكومات لم تعد تنظر إلى الإضراب باعتباره حقاً دستورياً وآلية للدفاع عن الحقوق، بل كـ”تهديد” يجب احتواؤه وتقليصه عبر شروط معقدة ومقتضيات عقابية تجعل ممارسة هذا الحق شبه مستحيلة.
وفي سياق متصل، يبدو أن قرار لاهاي أعاد خلط الأوراق، ووضع العديد من الدول أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى احترامها للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها، خاصة أن الرأي الصادر عن أعلى هيئة قضائية أممية لا يمكن التعامل معه كوثيقة رمزية أو سياسية فقط، بل كمرجع قانوني وأخلاقي يكرس معايير جديدة في التعامل مع الحريات النقابية.
ولعل أخطر ما كشفه هذا القرار هو سقوط الخطاب الذي ظل يروج لفكرة أن التضييق على الإضراب يدخل ضمن “تنظيم الحق”، بينما الواقع يؤكد أن بعض القوانين ذهبت أبعد من التنظيم نحو محاولة شل العمل النقابي وتجريد الطبقة العاملة من إحدى أهم أدوات الدفاع عن مصالحها.
إن ما حدث في لاهاي ليس انتصاراً للنقابات فقط، بل رسالة واضحة مفادها أن الحقوق الاجتماعية لا تُمنح بمنطق الإحسان السياسي، بل تُنتزع بالنضال وتُحصّن بالقانون الدولي.
واليوم، ومع هذا التطور القضائي الدولي، تجد الحكومة المغربية نفسها أمام سؤال حرج: هل ستستمر في التمسك بقانون أثار رفضاً واسعاً، أم ستفتح فعلاً باب مراجعة حقيقية تنسجم مع التزامات المغرب الدولية وروح الدستور ومبادئ العدالة الاجتماعية؟
فالتاريخ أثبت دائماً أن الدول التي تحارب الحق في الإضراب لا تحمي الاستقرار، بل تؤجل فقط انفجار الاحتقان الاجتماعي.
تعليقات الزوار