هبة زووم – الرباط
في اعتراف رسمي غير مسبوق بحجم الفوضى التي تضرب أسواق الأضاحي بالمغرب، أعلن مجلس المنافسة موافقته على طلب الحكومة اتخاذ تدابير استثنائية ومؤقتة لتنظيم الأسواق المخصصة لبيع أضاحي العيد، بعدما أقر بوجود “وضع غير عادي” داخل السوق، نتيجة انتشار المضاربة والاحتكار وخلق الندرة المصطنعة.
لكن السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم بمرارة لم يعد يتعلق فقط بتنظيم الأسواق، بل بمن سمح أصلاً بتحول شعيرة دينية واجتماعية إلى موسم سنوي للاغتناء الفاحش على حساب القدرة الشرائية للمواطنين؟
لقد كشف مجلس المنافسة، بشكل واضح، ما كان يعرفه الجميع منذ سنوات: هناك شبكات وساطة ومضاربون يتحكمون في السوق، ويعيدون بيع الأضاحي خارج أي منطق تجاري سليم، مستفيدين من ضعف المراقبة وغياب الردع الحقيقي. فالمشكل لم يعد مرتبطاً بارتفاع الطلب خلال عيد الأضحى فقط، بل بوجود اقتصاد موسمي موازٍ قائم على الاحتكار والتلاعب بالأسعار وامتصاص جيوب المغاربة.
المفارقة الصادمة أن الدولة لا تتحرك إلا عندما تصل الأسعار إلى مستويات ملتهبة، ويصبح الغضب الشعبي قابلاً للانفجار، وكأن حماية المستهلك لا تدخل ضمن الأولويات إلا في آخر لحظة.
فالأسواق المغربية، خصوصاً خلال المناسبات الكبرى، أصبحت مرتعاً مفتوحاً لـ”الشناقة” والسماسرة، الذين راكموا ثروات ضخمة من الفوضى وغياب الصرامة، بينما يجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة جشع لا سقف له.
إن اعتراف مجلس المنافسة بوجود ممارسات تهدف إلى خلق الندرة المصطنعة والتأثير المتعمد على الأسعار، يعني عملياً أن السوق لم يعد حراً ولا نزيهاً، بل خاضعاً للوبيات تتحكم في العرض والأسعار وفق مصالحها الخاصة، دون أي اعتبار للبعد الاجتماعي أو للوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه آلاف الأسر المغربية.
الأخطر من ذلك أن هذه الاختلالات لم تعد استثناءً عابراً، بل أصبحت جزءاً من نمط تدبير الأسواق بالمغرب، حيث يتحول كل موسم استهلاكي إلى فرصة للمضاربة ورفع الأسعار بشكل هستيري، في ظل غياب آليات حقيقية للمراقبة والزجر.
اليوم، لا يكفي إصدار قرارات ظرفية أو الحديث عن “تدابير مؤقتة”، لأن أصل الأزمة أعمق بكثير. فالسؤال الحقيقي هو: لماذا عجزت الحكومة طوال السنوات الماضية عن تفكيك شبكات المضاربة والاحتكار؟ ومن يحمي هؤلاء الوسطاء الذين يتحكمون في قوت المغاربة ومناسباتهم الدينية؟
لقد أصبح المواطن المغربي يشعر بأن الأسواق تُدار بمنطق الفوضى المنظمة، حيث ترتفع الأسعار بلا مبرر، وتغيب الشفافية، بينما تتبادل المؤسسات التصريحات والبلاغات دون أن يلمس المواطن أثراً حقيقياً لذلك على أرض الواقع.
إن ما يجري اليوم في أسواق الأضاحي ليس مجرد خلل موسمي، بل عنوان لفشل أعمق في ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية، وفشل أكبر في مواجهة اقتصاد الريع والمضاربة الذي ينمو كل سنة تحت أعين الجميع.
وإذا كانت الحكومة قد اعترفت أخيراً بوجود أزمة، فإن المغاربة ينتظرون شيئاً واحداً: الانتقال من لغة البلاغات إلى لغة المحاسبة، لأن الأسواق لا تستقيم بالشعارات، بل بضرب شبكات الاحتكار والمضاربة بيد من حديد.
تعليقات الزوار