هبة زووم – إنزكان
عاد ملف سوق الحرية ليفجر جدلاً واسعاً بجهة سوس ماسة، بعدما أصدرت الغرفة التجارية بـمحكمة النقض قراراً قضائياً قوياً أطاح بالحكم الاستئنافي الصادر عن محكمة الاستئناف التجارية بأكادير، وأعاد الملف إلى نقطة الصفر، في واحدة من أكثر القضايا التجارية والعقارية حساسية وتعقيداً بالمنطقة.
القرار القضائي، الذي اعتبره متابعون “زلزالاً قانونياً”، لم يكتف فقط بإلغاء القرار الاستئنافي، بل حمل في طياته رسائل واضحة بشأن طريقة تدبير الشركات واحترام القوانين المنظمة لها، خصوصاً بعدما أكدت محكمة النقض أن مخالفة المسيرين لالتزاماتهم القانونية، كعدم عقد الجموع العامة أو عدم تقديم التقارير المالية، يكفي وحده لتبرير العزل، دون الحاجة لإثبات الضرر كما ذهبت إلى ذلك محكمة الاستئناف.
القضية تتعلق بشركة “برادرز سانتر شوب”، المكلفة بتدبير واستغلال السوق، والتي يتهم فيها شريكان يمتلكان نصف رأسمال الشركة المسيرين بارتكاب اختلالات خطيرة في التسيير، من بينها احتكار القرار، وعدم تمكين الشركاء من الوثائق المحاسبية، والتصرف في مداخيل المشروع بعيداً عن الضوابط القانونية.
وكانت المحكمة التجارية بأكادير قد أصدرت حكماً ابتدائياً بعزل المسيرين وتعيين وكيل للدعوة إلى جمع عام استثنائي، غير أن محكمة الاستئناف التجارية ألغت ذلك الحكم، معتبرة أن الوقائع المثارة لا ترقى إلى مستوى “الخطأ الجسيم” الموجب للعزل، قبل أن تأتي محكمة النقض وتنسف هذا التوجه بالكامل.
لكن ما يجعل هذا الملف يتجاوز مجرد نزاع تجاري بين شركاء، هو حجم الأموال المتداولة وطبيعة المشروع نفسه، الذي تحول من سوق نموذجي كان يُفترض أن يضع حداً لفوضى التجارة العشوائية بمدينة إنزكان، إلى عنوان كبير للجدل والاتهامات والأسئلة الثقيلة المرتبطة بالتدبير المالي والاستغلال التجاري.
فالمعطيات المتداولة حول الملف تتحدث عن عمليات تسويق للمحلات التجارية بمبالغ ضخمة قُدرت بأزيد من 60 مليار سنتيم، تحت مسميات مختلفة كـ”بيع المفاتيح” أو “تسبيقات الكراء”، في وقت يواصل فيه التجار أداء واجبات الكراء الشهرية، ما فتح الباب واسعاً أمام التساؤلات بشأن مدى احترام دفتر التحملات والقوانين المنظمة للمشروع.
الأكثر إثارة، أن العقار الذي يحتضن المشروع يعود في الأصل إلى الجماعة الترابية لإنزكان، فيما ينص دفتر التحملات على سقف محدد للسومة الكرائية لا يتجاوز 350 درهماً شهرياً، بينما تؤكد شهادات متداولة أن المبالغ المؤداة فعلياً تفوق هذا الرقم بأضعاف، في ظل غياب توضيحات رسمية حاسمة حول طبيعة العقود والمداخيل وطرق التدبير.
ويحصل المستثمر المشرف على المشروع على حق امتياز يمتد إلى 65 سنة، وهو ما جعل عدداً من الفاعلين المحليين يعتبرون أن الأمر لا يتعلق فقط بسوق تجاري، بل بملف ضخم يختلط فيه العقاري بالتجاري والسياسي والمالي، وسط مطالب متزايدة بفتح تحقيق شامل يكشف حقيقة ما جرى داخل هذا المشروع منذ انطلاقه.
قرار محكمة النقض أعاد اليوم الملف إلى دائرة الضوء بقوة، ووضع من جديد طريقة تدبير “سوق الحرية” تحت المجهر، خاصة في ظل تنامي الأصوات المطالبة بترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبينما تستعد محكمة الاستئناف التجارية لإعادة النظر في الملف بهيئة جديدة، يبقى السؤال الأكبر الذي يلاحق الرأي العام المحلي: هل ستقود هذه التطورات القضائية إلى كشف كل خبايا “سوق الحرية”، أم أن الملف سيظل يدور في دوامة التقاضي بينما تستمر الأسئلة الثقيلة دون أجوبة؟
تعليقات الزوار