خصال يجتمع ولدغات الأفاعي تفضح هشاشة المنظومة الصحية بجهة درعة تافيلالت

هبة زووم – تنغير
في كل صيف، يتكرر المشهد نفسه بجهة درعة تافيلالت: أطفال ونساء وشباب يسقطون ضحايا لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، وسط حالة من الهلع والعجز، وكأن المنطقة كُتب عليها أن تعيش موسماً سنوياً للموت البطيء، في ظل منظومة صحية هشة لا تتحرك إلا بعد وقوع الكارثة.
ورغم الاجتماعات المتكررة والبلاغات الرسمية والصور التي توثق “الاستعدادات الاستباقية”، إلا أن الواقع على الأرض يكشف حقيقة أكثر قسوة: لا شيء تغيّر فعلياً. فالمراكز الصحية بالعالم القروي ما تزال تعاني خصاصاً مهولاً في الأطر الطبية والتجهيزات الأساسية، بينما تظل الأمصال والأدوية المنقذة للحياة غائبة أو غير كافية، وكأن أرواح سكان القرى والمناطق الجبلية لا تدخل ضمن أولويات التدبير الصحي.
آخر فصول هذه المأساة عاشته جماعة ألنيف بإقليم تنغير، بعدما تعرض شاب صباح الجمعة 29 ماي 2026 للدغة أفعى “القرناء” السامة، أثناء تواجده رفقة أصدقائه في ضواحي المنطقة البرية لجمع الحطب تحت شجرة “الطلح”. لحظة واحدة كانت كافية لتحويل رحلة عادية إلى سباق مرعب مع الموت، بعدما باغتت الأفعى الشاب ولدغته على مستوى اليد وسط حالة من الذعر والارتباك.
تم نقل الضحية في حالة حرجة نحو المستشفى الإقليمي بتنغير، حيث خضع للإسعافات والعلاج المستعجل، بينما بقي السؤال الحقيقي معلقاً في أذهان السكان: ماذا لو وقعت الحادثة في منطقة أبعد؟ وماذا لو تأخر النقل أو غاب التدخل الطبي؟ وكم من ضحية أخرى يجب أن تسقط حتى تتحرك وزارة الصحة بشكل جدي؟
المفارقة الصادمة أن هذه الحوادث لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى جزء من يوميات الصيف بدرعة تافيلالت، في وقت يواصل فيه المسؤولون الحديث عن “خطط استباقية” و”تعبئة ميدانية”، دون أن يلمس المواطن أي أثر فعلي لذلك على أرض الواقع.
الشارع المحلي يتساءل اليوم بمرارة: ما جدوى الاجتماعات التي يترأسها المسؤولون إذا كانت النتيجة نفسها تتكرر كل سنة؟ وما معنى الحديث عن الاستباقية بينما ما تزال سيارات الإسعاف تتأخر، والمراكز الصحية تعاني العجز، والسكان يواجهون الموت بوسائل بدائية؟
الأخطر أن هذه المآسي تكشف بوضوح حجم التفاوت المجالي الصارخ في الحق في العلاج والنجاة. ففي المدن الكبرى، قد تتحول لدغة أفعى إلى حادث عادي يمكن السيطرة عليه بسرعة، أما في مناطق الجنوب والقرى المعزولة، فإنها كثيراً ما تتحول إلى حكم بالإعدام بسبب ضعف البنيات الصحية وبعد المستشفيات وغياب الإمكانيات.
إن ما يحدث اليوم بدرعة تافيلالت لم يعد مجرد حوادث موسمية معزولة، بل مؤشر خطير على فشل تدبير قطاع الصحة بالمناطق الهشة، وعجز السياسات العمومية عن حماية أبسط حق للمواطن: الحق في الحياة.
ولأن حرارة الصيف ستستمر، ولأن الأفاعي والعقارب ستواصل الخروج من جحورها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستتحرك وزارة الصحة قبل سقوط ضحايا جدد، أم أن الاجتماعات والبلاغات ستظل وحدها السلاح الرسمي في مواجهة الموت؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد