هبة زووم – بنسليمان
لا تحتاج مدينة بنسليمان اليوم إلى تقارير تقنية أو لجان خبرة لتشخيص واقعها، فالشوارع تتحدث، والأرصفة تشهد، والملك العمومي يحتضر أمام أعين الجميع.
مدينة يفترض أن تكون فضاءً منظماً للعيش الكريم، تحولت تدريجياً إلى مشهد تختلط فيه العربات المجرورة بالسيارات، والدواب بالمارة، والكلاب الضالة بالأحياء السكنية، فيما يحتل الباعة وأصحاب المقاهي والمحلات التجارية الأرصفة والفضاءات العمومية دون أدنى احترام للقانون.
الأخطر في كل ذلك ليس انتشار هذه المظاهر، بل تحولها إلى واقع عادي، في ظل صمت مريب للجهات المفترض فيها حماية النظام العام وتطبيق القانون.
فالمواطن الذي يؤدي الضرائب ويحترم القوانين، يجد نفسه يومياً مضطراً إلى السير وسط الطريق لأن الرصيف أصبح محتلاً، وإلى تفادي الدواب والعربات المجرورة والكلاب الضالة، وكأن المدينة خرجت بالكامل من دائرة التنظيم الحضري.
هذا المشهد لا يعكس فقط ضعفاً في تدبير الشأن المحلي، بل يكشف أزمة حقيقية في ممارسة المسؤولية، فالمجالس المنتخبة، التي جاءت بأصوات المواطنين تحت شعارات التنمية وتحسين جودة العيش، مطالبة اليوم بتقديم حصيلة ملموسة، لا الاكتفاء بتبرير الإخفاقات أو تعليقها على شماعات مختلفة، فالانتخابات ليست مناسبة لرفع الشعارات الرنانة، وإنما عقد أخلاقي وسياسي يفرض الوفاء بالالتزامات وخدمة الصالح العام.
ومع اقتراب محطة انتخابية جديدة، يصبح من المشروع التساؤل: ماذا قدم المنتخبون للمدينة؟ وهل استطاعوا فعلاً حماية الفضاء العمومي، أم أن المدينة تُركت رهينة للفوضى والعشوائية حتى أصبحت بعض أحيائها أقرب إلى فضاءات مفتوحة للعبث منها إلى مدينة يفترض أنها تسير وفق القانون؟
إن استمرار احتلال الملك العمومي، وانتشار الدواب والعربات المجرورة داخل المجال الحضري، وتفاقم ظاهرة الكلاب الضالة، وتراكم الأزبال، كلها مؤشرات على غياب الحكامة المحلية، وعلى ضعف آليات المراقبة والزجر، وهي مظاهر لا تسيء فقط إلى جمالية المدينة، بل تمس بصورة المؤسسات نفسها، حين يعجز القانون عن فرض هيبته في أبسط التفاصيل المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.
وإذا كان المنتخبون يتحملون جانباً أساسياً من المسؤولية، فإن السلطات المحلية مطالبة بدورها بالقيام بواجبها في فرض احترام القانون، لأن حماية النظام العام ليست خياراً سياسياً، بل التزام قانوني ودستوري.
فلا يمكن الحديث عن دولة المؤسسات، في الوقت الذي تتحول فيه الأرصفة إلى ملكيات خاصة، والطرقات إلى مسارات للدواب، والفضاءات العمومية إلى مناطق خارجة عن أي تنظيم.
إن بنسليمان ليست في حاجة إلى مزيد من الخطب والوعود، بل إلى قرارات جريئة تعيد الاعتبار للقانون، وتضع حداً لحالة التسيب التي أصبحت عنواناً للمشهد الحضري.
فالمدينة التي تُترك للفوضى اليوم، يصعب استرجاع هيبتها غداً، وكل يوم يمر دون تدخل حازم يزيد من كلفة الإصلاح ويعمق فقدان ثقة المواطنين في المؤسسات.
ويبقى الرهان الحقيقي، مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، هو أن يدرك الجميع أن أصوات المواطنين ليست شيكاً على بياض، وأن المسؤولية ليست امتيازاً أو وجاهة اجتماعية، بل أمانة تقتضي النزاهة والكفاءة والجرأة في اتخاذ القرار.
أما إذا استمرت المدينة رهينة الحسابات الضيقة والتردد في تطبيق القانون، فإن بنسليمان ستظل تدفع ثمن العبث، بينما يظل المواطن وحده من يؤدي فاتورة سنوات من سوء التدبير والإهمال.
تعليقات الزوار