هبة زووم – الدار البيضاء
أعاد الخروج الإعلامي لرئيس جامعة الحسن الثاني بالنيابة ورئيس منتدى رؤساء الجامعات، ضمن نشرة الظهيرة على القناة الثانية، ملف ما يعرف بـ”التوقيت الميسر” إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما دافع المسؤول الجامعي عن النموذج المعتمد، وربطه بمفهوم التعلم مدى الحياة وتوسيع فرص الولوج إلى التكوين الجامعي.
غير أن الخطاب الرسمي سرعان ما اصطدم باحتقان متزايد داخل الأوساط الأكاديمية والنقابية، خصوصاً في ظل الجدل الذي أثارته الرسوم المحددة لبعض مسالك الماستر والدكتوراه، وما تطرحه هذه الرسوم من أسئلة حول القدرة الشرائية للموظفين والأجراء، وحدود استقلالية الجامعة، ومستقبل مجانية التعليم العالي العمومي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: كم تبلغ كلفة التكوين؟ وإنما أيضاً: من يستطيع تحملها؟ ومن يُقصى تلقائياً عندما تتحول الاستفادة من التعليم العمومي إلى التزام مالي ثقيل؟
الرسوم الجامعية.. توحيد يثير سؤال القدرة على الأداء
الدفاع عن اعتماد رسوم موحدة ينطلق من منطق يبدو بسيطاً: وضع إطار واضح وموحد لتكاليف التكوين، بما يضمن شفافية أكبر في تدبير هذا النوع من المسالك، لكن المساواة في قيمة الرسوم لا تعني بالضرورة المساواة في القدرة على تحملها.
ففرض رسوم سنوية في حدود 15 ألف درهم بالنسبة لبعض مسالك الماستر و20 ألف درهم بالنسبة للدكتوراه يكتسي دلالة مختلفة تماماً بالنسبة لموظف ذي دخل محدود، مقارنة بأستاذ جامعي أو إطار ذي دخل مرتفع.
وهنا ينتقل النقاش من الحساب المالي البسيط إلى سؤال العدالة الاجتماعية: هل يكفي أن تكون الرسوم موحدة حتى تكون عادلة؟
فالعدالة لا تقاس فقط بالمبلغ الذي يؤديه الجميع، وإنما كذلك بمدى تناسب هذا المبلغ مع مداخيل الفئات المستهدفة، وخصوصاً الموظفين والأجراء الذين يلجؤون إلى التكوين المستمر لتحسين مسارهم المهني والعلمي، وبمعنى آخر، فإن السعر الموحد قد ينتج أثراً اجتماعياً غير موحد.
“التعلم مدى الحياة”.. حق اجتماعي أم استثمار فردي؟
استند الخطاب المدافع عن التوقيت الميسر إلى مفهوم التعلم مدى الحياة، باعتباره آلية تسمح للموظف والأجير بمواصلة الدراسة والتكوين بالتوازي مع حياته المهنية، وهو مبدأ لا خلاف حول أهميته في اقتصاد حديث يحتاج إلى تجديد مستمر للمعارف والمهارات.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا المبدأ من سياسة عمومية لتوسيع فرص التعلم إلى عبء مالي يتحمله الفرد بمفرده.
فالتكوين المستمر، في جوهره، ليس مجرد سلعة جامعية تقتنى مقابل سعر محدد، وإنما يرتبط أيضاً بسياسات الدولة في التعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية وتأهيل الموارد البشرية.
ومن هنا، فإن تحميل الموظف وحده كلفة تطوير مهاراته يطرح سؤالاً أكبر: أين تنتهي مسؤولية الفرد وأين تبدأ مسؤولية الدولة والمشغل والمؤسسة الجامعية؟
وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما يكون المستفيد موظفاً أو أجيراً اختار العودة إلى الجامعة بعد سنوات من العمل، ليس بحثاً عن امتياز شخصي، وإنما في كثير من الحالات لتحسين مؤهلاته المهنية والعلمية.
عندما تتحول “المساواة” إلى تجاهل للفوارق المجالية
من بين الإشكالات التي يثيرها اعتماد رسوم موحدة أيضاً مسألة العدالة المجالية، فالموظف الذي يدرس في مدينة ذات كلفة معيشية مرتفعة، مثل الدار البيضاء، لا يواجه بالضرورة نفس الأعباء التي يواجهها موظف يعيش في مدينة أخرى أقل كلفة.
النقل، والسكن، والإطعام، ومصاريف الأسرة، كلها عناصر تدخل في تحديد القدرة الحقيقية على الولوج إلى التعليم، وبالتالي، فإن توحيد الرسوم لا يلغي الفوارق الاجتماعية والمجالية، بل قد يجعلها أكثر وضوحاً.
فالطالب الموظف لا يدفع فقط واجب التسجيل أو التكوين، وإنما يتحمل أيضاً كلفة الوصول إلى الجامعة، وتدبير وقته، والتوفيق بين العمل والدراسة والأسرة، وهو ما يجعل التوقيت الميسر، إذا لم يرافقه تصور اجتماعي متكامل، عبئاً مركباً وليس مجرد فرصة إضافية للتكوين.
من الجامعة إلى منطق “الزبون والخدمة”؟
النقطة الأكثر حساسية في هذا الجدل ترتبط بالسؤال حول طبيعة العلاقة التي يجب أن تحكم التعليم الجامعي العمومي.
هل يصبح الموظف الذي يلج مسلكاً جامعياً مؤدى عنه مجرد مستفيد من خدمة مقابل سعر؟ أم أن الجامعة العمومية مطالبة بالحفاظ على بعدها الاجتماعي، حتى عندما تقدم تكوينات موجهة إلى فئات تشتغل بالتوازي مع الدراسة؟ هنا تكمن جوهر الأزمة.
فاستقلالية الجامعة وتمكينها من موارد مالية إضافية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتراجع البعد الاجتماعي للمرفق الجامعي.
كما أن البحث عن موارد جديدة لا يمكن أن ينفصل عن سؤال الحكامة والشفافية: ما هي كلفة هذه التكوينات؟ كيف تحدد الرسوم؟ كيف يتم تدبير مداخيلها؟ وما نسبة الموارد التي تعود إلى التكوين والبحث والتجهيز وتحسين ظروف التأطير؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً، بل جزء من الحق في المعلومة ومن شروط بناء الثقة بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي.
“التوقيت الميسر”.. أين الاعتراف بالخبرة المهنية؟
من أكثر النقاط التي تستحق النقاش في هذا الملف مسألة الاعتراف بالخبرة المهنية التي راكمها الموظفون والأجراء خلال سنوات طويلة من العمل.
فالمهني الذي أمضى سنوات في ممارسة تخصص معين قد يجد نفسه مطالباً بإعادة دراسة عدد كبير من الوحدات والمجزوءات، رغم امتلاكه تجربة ميدانية واسعة.
وهنا يبرز النقاش حول آليات الاعتراف بالتعلم والخبرة السابقة، وهي مقاربات معمول بها في عدد من الأنظمة التعليمية، مع اختلاف الأطر القانونية والتنظيمية من بلد إلى آخر.
والسؤال المطروح هو: لماذا لا يتم تطوير آليات أكثر مرونة تسمح بتقييم الخبرة المهنية والمعارف المكتسبة سابقاً، بدل إخضاع جميع المستفيدين لمسار دراسي موحد؟
مثل هذا التصور يمكن أن يجعل التكوين المستمر أكثر فعالية، ويخفف العبء الزمني والمادي على الموظف، ويجعل الجامعة أكثر ارتباطاً بسوق الشغل وبالحاجيات الحقيقية للمؤسسات والإدارات.
الحضور الليلي والعطل.. كلفة غير مرئية
هناك أيضاً جانب آخر لا يحظى دائماً بالاهتمام الكافي في النقاش، ويتعلق بالزمن الدراسي، فالموظف الذي يعمل خلال النهار ويعود إلى الدراسة في المساء أو خلال عطلة نهاية الأسبوع لا يؤدي فقط الرسوم الجامعية، بل يدفع أيضاً من وقته وطاقته وراحته الأسرية.
ولهذا فإن تقييم “التوقيت الميسر” لا ينبغي أن يقتصر على عدد المسجلين أو حجم المداخيل، وإنما يجب أن يشمل كذلك جودة التكوين، ظروف الدراسة، حجم الحضور الإلزامي، ملاءمة البرامج مع الخبرة المهنية، ونسبة الاستفادة الفعلية من هذا التكوين.
فالتكوين المستمر الذي يرهق الموظف دون أن يقدم له قيمة علمية ومهنية مضافة سيكون مجرد مسار مكلف، مهما كان الخطاب المرافق له.
بين استقلالية الجامعة والمسؤولية الاجتماعية
لا أحد يعترض على ضرورة تطوير موارد الجامعات وتنويع مصادر تمويلها، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة البحث العلمي والتجهيز والتأطير، لكن الاستقلالية المالية لا ينبغي أن تعني نقل جزء متزايد من كلفة التعليم إلى جيوب الموظفين والأجراء.
بل إن التحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد توازن بين ثلاثة عناصر: استدامة مالية الجامعة، وجودة التكوين، والعدالة الاجتماعية في الولوج إليه.
ومن هنا، فإن النقاش الحالي لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة شخصية مع مسؤولي الجامعة، وإنما إلى نقاش مؤسساتي حول نموذج تمويل التكوين المستمر في التعليم العالي العمومي.
المطلوب.. شفافية أكبر ونموذج أكثر عدالة
أمام اتساع الجدل، يبدو أن الحل لا يكمن في الدفاع الإعلامي عن الرسوم أو مهاجمة الرافضين لها، وإنما في فتح نقاش شفاف حول فلسفة التوقيت الميسر بكاملها.
وذلك عبر نشر المعطيات المرتبطة بكلفة التكوين، ومداخيله، وكيفية صرف موارده، ومعايير تحديد الرسوم، وعدد المستفيدين، ونسب الإعفاء أو التخفيض إن وجدت، فضلاً عن تقييم الأثر الاجتماعي والمهني لهذه البرامج.
كما أن إشراك ممثلي الأساتذة والموظفين والنقابات والطلبة في هذا النقاش من شأنه أن يساهم في بناء نموذج أكثر توازناً وقابلية للاستمرار.
فالتعلم مدى الحياة لا يمكن أن ينجح إذا أصبح امتيازاً لمن يملك القدرة المالية، ولا يمكن أن يتحول إلى رافعة للتنمية إذا كان الموظف مضطراً إلى الاختيار بين تحسين مستواه العلمي والحفاظ على توازنه المعيشي.
القضية، في النهاية، ليست قضية 15 ألف درهم أو 20 ألف درهم فقط. إنها قضية فلسفة: هل نريد جامعة عمومية تفتح أبوابها أمام من يريد تطوير نفسه، أم جامعة يصبح الولوج إلى بعض مساراتها مرتبطاً أولاً بالقدرة على الأداء؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يفرضه الجدل حول “التوقيت الميسر”، وهو سؤال يتجاوز جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء إلى مستقبل التكوين المستمر والعدالة الاجتماعية في منظومة التعليم العالي بالمغرب.
تعليقات الزوار