التزكيات تفجر بيت الاتحاد الاشتراكي والقيادة تلوّح بالقضاء والاستقالات تكشف أزمة عميقة في الديمقراطية الداخلية

هبة زووم – الرباط
لم تعد أزمة التزكيات داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد خلاف تنظيمي عابر حول أسماء المرشحين والمرشحات للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بل تحولت إلى مواجهة سياسية وتنظيمية مفتوحة، انتقلت من كواليس لجان البت إلى البيانات والاستقالات والتهديد باللجوء إلى القضاء.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه قيادة الحزب أن عملية اختيار المرشحين تمت وفق مساطر معلنة وقواعد تنظيمية واضحة، خرجت قياديات من داخل التنظيم بروايات مختلفة، تتحدث عن الإقصاء وغياب الشفافية، بل وعن معايير اعتبرتها بعضهن بعيدة عن منطق الكفاءة والاستحقاق.
وكان المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي قد صعّد لهجته بشكل غير مسبوق في مواجهة القيادية والمحامية مريم جمال الإدريسي، بعدما أعلن، عقب اجتماعه المنعقد يوم 22 غشت 2026، اعتبارها متخلية عن انتمائها للحزب، مع احتفاظه بحقه في اللجوء إلى القضاء على خلفية تصريحات اعتبرها الحزب “ادعاءات باطلة تمس بمصداقية مؤسساته”.
ويأتي هذا التصعيد بعد الجدل الذي أثارته الإدريسي بشأن طريقة تدبير الترشيحات لوكالة اللائحة الجهوية بجهة الدار البيضاء-سطات، حيث أثيرت، وفق ما عبرت عنه المعنية بالأمر، تساؤلات حول المعايير التي اعتمدت في المفاضلة بين المرشحات، بما في ذلك ما وصفته بشبهة ارتباط الاختيار بحجم المساهمة المالية في الحملة الانتخابية.
غير أن قيادة الحزب نفت ضمنيا هذه الانتقادات، مؤكدة أن المسطرة كانت معلنة ومبنية على النظام الأساسي والقانون الداخلي والقواعد المنظمة للانتخابات، وأن المكتب السياسي صادق بالإجماع على نتائج لجان البت في الترشيحات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتجاوز مجرد وجود مسطرة مكتوبة من عدمه: هل يكفي الإعلان عن المسطرة لإثبات نزاهة تطبيقها وإقناع المناضلين بأن تكافؤ الفرص كان قائما فعلا؟
فالاحتكام إلى التصويت بالإجماع داخل المكتب السياسي لا يلغي بالضرورة حق المناضلين في مساءلة كيفية تدبير الترشيحات، كما أن وصف الأصوات المنتقدة بأنها “معزولة” لا يجيب عن جوهر الأسئلة التي أثارتها قياديات قررن مغادرة الحزب احتجاجا على ما اعتبرنه اختلالات في تدبير الاستحقاقات الداخلية.
وتأتي قضية مريم جمال الإدريسي بعد استقالة القيادية رجاء البقالي الطاهري، التي أعلنت بدورها مغادرة الحزب، منتقدة ما وصفته بإقصاء مناضلات الحزب من منافسة تقوم على الكفاءة والاستحقاق، ومثيرة تساؤلات حول ما اعتبرته استقطاب أسماء جديدة ومنطق المال في اختيار المرشحين.
كما سبق لخديجة الفلاكي السباعي الإدريسي أن أثارت بدورها قضية الديمقراطية الداخلية، بعدما تحدثت عن منعها من تقديم حصيلة عملها التنظيمي، معتبرة أن الأمر تحول، بحسب تعبيرها، إلى “منع المنجز من أن يتكلم”
هذه الوقائع، حتى وإن اختلفت سياقاتها وتفاصيلها، تضع الحزب أمام صورة سياسية مقلقة: قياديات ومناضلات يغادرن، اتهامات متبادلة حول معايير التزكيات، وقيادة حزبية تنتقل من منطق التدبير السياسي للخلاف إلى التلويح بساحات القضاء.
ولا يتعلق الأمر هنا بمن هو على حق ومن هو على خطأ، فتلك مسائل يمكن أن تحسم فيها المؤسسات المختصة عند الاقتضاء، وإنما بالسؤال السياسي الأعمق: كيف لحزب يحمل تاريخا طويلا في الدفاع عن الديمقراطية والحقوق والحريات أن يجد نفسه اليوم أمام أزمة ثقة داخلية بسبب طريقة تدبير التنافس على الترشحات؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأحزاب السياسية ليس اختلاف المناضلين، لأن الاختلاف جزء طبيعي من العمل السياسي، بل أن يتحول الاختلاف إلى استقالات وإقصاء وتهديدات قضائية. فالحزب القوي ليس هو الذي يخلو من الأصوات المعارضة، وإنما الذي يمتلك من المؤسسات والآليات ما يسمح باستيعاب النقد والرد عليه بالحجة والشفافية.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن الاتحاد الاشتراكي مطالب اليوم بأكثر من بلاغات تؤكد سلامة المساطر. فالأزمة التي فجرتها التزكيات تحتاج إلى إجابات سياسية واضحة حول المعايير المعتمدة، وضمانات فعلية بشأن تكافؤ الفرص، وإقناع المناضلين والرأي العام بأن المنافسة داخل الحزب لا تحكمها موازين النفوذ أو القدرة المالية أو الحسابات الضيقة.
لأن الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط، بل تبدأ داخل الأحزاب نفسها. وإذا فقد المناضل ثقته في طريقة اختيار ممثليه، فإن الحديث عن استعادة ثقة المواطن في السياسة يصبح مهمة أكثر صعوبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد