التزكيات تشعل بيت الاتحاد الاشتراكي.. الطاهري تغادر وتفجر اتهامات بتحكم “منطق المال” في اختيار المرشحين
هبة زووم – جمال البقالي
لم تعد أزمة التزكيات داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد همس في الكواليس التنظيمية أو تذمر عابر لمناضلين غاضبين، بل خرجت إلى العلن باستقالة رجاء البقالي الطاهري من الحزب ومن مختلف المسؤوليات التي كانت تضطلع بها، بما فيها عضوية المكتب السياسي والمنظمة النسائية، في خطوة تحمل أكثر من مجرد انسحاب شخصي، وتفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول طريقة تدبير واحدة من أكثر المحطات حساسية في الحياة الحزبية.
فالمستقيلة لم تغادر بصمت، بل اختارت أن تضع أمام الرأي العام الحزبي والسياسي أسباب قرارها، متحدثة عن ما تعتبره إقصاءً لمناضلات الحزب من التنافس على أساس الكفاءة والاستحقاق، وعن اختيارات تقول إنها لم تكن واضحة المعايير، إلى جانب اعتراضها على استقطاب أسماء جديدة لا تتوفر، بحسب تقديرها، على حضور سياسي وتنظيمي مماثل لمناضلين ومناضلات قضوا سنوات داخل الحزب.
الأخطر في هذه الاستقالة ليس فقط مضمونها، بل توقيتها أيضاً، فنحن أمام حزب يستعد لخوض استحقاقات تشريعية حاسمة، يفترض أن تكون مناسبة لتعبئة الصفوف واستعادة الثقة، فإذا به يجد نفسه أمام استقالة عضو من مكتبه السياسي توجه انتقادات مباشرة لطريقة تدبير التزكيات، وتضع القيادة، وعلى رأسها الكاتب الأول إدريس لشكر، أمام مسؤولية سياسية وتنظيمية لا يمكن تجاوزها بالصمت.
إن التزكية ليست مجرد ورقة تمنح لمرشح قبل موعد الانتخابات، بل هي في العمق امتحان حقيقي للديمقراطية الداخلية. وحين يشعر مناضلون بأن معايير الاختيار تغيرت، أو أن قواعد سبق الاتفاق عليها تم تجاوزها، أو أن الكفاءة والأقدمية لم تعدا عاملين حاسمين، فإن أول ما يتعرض للاهتزاز هو الثقة في التنظيم نفسه.
ورغم أن ما ورد في رسالة الاستقالة يعبر عن موقف صاحبته، ويظل في حاجة إلى توضيحات من قيادة الحزب بشأن المعايير والمساطر المعتمدة، فإن المسؤولية السياسية تفرض تقديم أجوبة واضحة للرأي العام الحزبي، فمن حق المناضلين أن يعرفوا كيف يتم اختيار المرشحين، وما هي المعايير المعتمدة، وكيف يتم الحسم بين الأقدمية والكفاءة والحضور الانتخابي والقدرة على المنافسة.
فالانتخابات لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، بل تبدأ داخل الأحزاب نفسها، وإذا كانت التنظيمات السياسية عاجزة عن تدبير تنافسها الداخلي بشفافية وإقناع مناضليها، فكيف ستقنع المواطنين بأنها قادرة على تدبير الشأن العام؟
استقالة رجاء البقالي الطاهري قد تكون حدثاً فردياً في الشكل، لكنها في المضمون تبدو مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بعلاقة المناضلين بمؤسسات الحزب وبطريقة اتخاذ القرارات داخله، وهي رسالة ينبغي أن تقرأ بجدية، لا باعتبارها مجرد خلاف شخصي أو انتخابي، بل باعتبارها إنذاراً جديداً حول الحاجة إلى مراجعة أساليب تدبير التزكيات وإعادة الاعتبار لقواعد الوضوح والاستحقاق والمنافسة الشفافة.
اليوم، الكرة في ملعب قيادة الاتحاد الاشتراكي: إما تقديم توضيحات مقنعة بشأن ما أثير، وفتح نقاش داخلي مسؤول يعيد الثقة إلى المناضلين، أو ترك الأسئلة معلقة، بما قد يسمح بتوسع دائرة الشك والغضب في مرحلة انتخابية لا تحتمل مزيداً من الارتباك.
فالخطر الحقيقي ليس في استقالة قيادية واحدة، بل في أن تتحول الاستقالات والاحتجاجات الداخلية إلى عنوان دائم لحزب كان يفترض أن يدخل الاستحقاقات المقبلة بصف موحد، لا بأسئلة معلقة حول منطق الاختيار ومن يدفع ثمنه.