القنيطرة تختنق بالدخان.. كيكيش يطالب الوكيل العام بفتح تحقيق في “الجريمة البيئية”

هبة زووم – القنيطرة
لم يعد ملف التلوث بمدينة القنيطرة مجرد قضية مرتبطة بالروائح الكريهة أو مشاهد حرق النفايات في بعض الفضاءات، بل بات، وفق ما يثيره المدير الإقليمي والباحث في الشؤون التربوية أحمد كيكيش، قضية بيئية وصحية تستوجب تدخلاً مؤسساتياً عاجلاً وترتيباً للمسؤوليات.
كيكيش، الذي يواصل الترافع من أجل المدينة من بوابة البيئة، اختار هذه المرة رفع سقف خطابه، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يضرب في العمق حق المواطنين في بيئة سليمة وهواء غير ملوث، ومعتبراً أن ما تشهده المدينة والغلاف الجوي المحيط بها يمثل، في تقديره، إعلاناً صريحاً عن فشل السياسات العمومية في تدبير النفايات من الناحية الإيكولوجية.
وفي تدوينة قوية، دعا كيكيش إلى تجاوز منطق تبادل الاتهامات، مؤكداً أن السكان والمسؤولين يوجدون، على حد تعبيره، في «سفينة واحدة»، وأن البديل هو العمل المشترك من أجل الصالح العام، محذراً من أن استمرار الوضع قد يجعل «سفينة سبو» مهددة بالغرق ويفتح الباب أمام ما وصفه بـ”الهجرة القسرية”ّ، لكن الأخطر في تدوينة كيكيش هو انتقاله من التشخيص البيئي إلى المساءلة القانونية.
فبحسب ما أورده، فإن إحراق النفايات في الهواء الطلق للتخلص منها يطرح إشكالاً قانونياً بموجب القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، مشيراً إلى أن عمليات الحرق، عندما تكون مسموحة في إطار التخلص من النفايات، يفترض أن تتم داخل منشآت مخصصة لذلك، بما يضمن حماية البيئة وصحة الإنسان.
ويضع الباحث أصبعه على واحدة من أكثر المظاهر إثارة للقلق: حرق البلاستيك والأزبال المنزلية والإطارات المطاطية والنفايات المختلطة قرب المنازل وفي الشوارع والأراضي الفارغة أو المهجورة، معتبراً أن هذه الممارسات أصبحت، وفق توصيفه، أمراً متكرراً بمدينة القنيطرة.
وإذا كانت هذه الوقائع ثابتة ميدانياً، فإن السؤال الذي لا يمكن للسلطات تفاديه هو: من يراقب؟ ومن يعاين؟ ومن يحرر المحاضر؟ ولماذا لا يتم تفعيل المقتضيات الزجرية عندما يتعلق الأمر بممارسات قد تمس صحة السكان والبيئة؟
كيكيش يستند في مطالبته إلى المقتضيات الزجرية التي أوردها في تدوينته، مشيراً إلى العقوبات المنصوص عليها في القانون 28.00 بشأن بعض المخالفات المرتبطة بالتخلص من النفايات، كما يطالب بتفعيل آليات المعاينة وتحرير المحاضر وإحالتها على النيابة العامة المختصة متى ثبتت المخالفات.
وهنا تصبح الكرة في ملعب مختلف المتدخلين: الأمن الوطني، الدرك الملكي، الأعوان المنتدبون من طرف الإدارات والجماعات، والسلطات المحلية، كل في حدود الاختصاصات التي يحددها القانون.
فالقضية، في جوهرها، ليست مجرد خلاف حول طريقة جمع النفايات، وإنما تتعلق بسؤال أكبر: هل يملك إقليم القنيطرة سياسة بيئية حقيقية لتدبير النفايات، أم أن التدخل لا يبدأ إلا بعد انتشار الدخان وارتفاع أصوات السكان؟
واللافت أن كيكيش لا يكتفي بالمطالبة بالتدخل الميداني، بل يوجه مطالبه مباشرة إلى المؤسسات القضائية والإدارية، فهو يلتمس من الوكيل العام للملك فتح تحقيق قضائي بشأن ما يصفه بـ«الجريمة البيئية» التي تهدد، بحسب تقديره، الأمن الإنساني والبيئي، كما يطالب عامل الإقليم بإخراج مخطط إقليمي لحسن تدبير النفايات والتخلص منها، وفق المقتضيات القانونية والمقاربات البيئية الحديثة.
ولا يتوقف المقترح عند جمع النفايات وطمرها، بل يدعو إلى اعتماد مقاربة تقوم على إعادة تدوير المواد القابلة للاستعمال وإنتاج الطاقة، إلى جانب وضع نظام إقليمي فعال للمراقبة والزجر ضد المخالفات التي تمس البيئة وصحة الإنسان.
وهنا تحديداً يكمن جوهر الأزمة: مدينة بحجم القنيطرة لا يمكن أن تظل رهينة حلول ترقيعية في ملف يفترض أن تكون له استراتيجية واضحة، بمؤشرات وأهداف وآليات مراقبة ومسؤوليات محددة.
فإذا كان حرق النفايات في الهواء الطلق يجري فعلاً بالقرب من السكان، فإن المطلوب ليس فقط إطفاء النار، وإنما معرفة من أشعلها، ومن سمح باستمرارها، ولماذا لم يتم تطبيق القانون؟
القنيطرة تحتاج إلى أكثر من حملات موسمية وبلاغات مطمئنة. تحتاج إلى سياسة بيئية قابلة للقياس، ومراقبة مستمرة، وربط واضح للمسؤولية بالمحاسبة.
أما استمرار صمت المؤسسات أمام دخان النفايات، إن ثبتت الوقائع التي يثيرها كيكيش، فلن يكون مجرد فشل في تدبير الأزبال، بل قد يتحول إلى فشل في حماية حق أساسي للمواطنين: الحق في بيئة سليمة وهواء لا يهدد صحتهم، والسؤال الذي يبقى معلقاً في سماء القنيطرة، وسط الدخان: إلى متى ستظل السلطات تطارد آثار النفايات، بدل أن تعالج جذور الأزمة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد